من البغال إلى الدراجات النارية… أساليب التهريب تتبدّل على الحدود اللبنانية السورية

من البغال إلى الدراجات النارية… أساليب التهريب تتبدّل على الحدود اللبنانية السورية

500 دولار لبغلٍ يُقال إنه مخصّص للتهريب، مقابل نحو 250 دولاراً في سوق الهرمل! رقمٌ يثير التساؤلات، لكنه يفتح الباب أمام واقع أكثر تعقيداً على الحدود اللبنانية السورية، حيث تتداخل الجغرافيا الوعرة مع الاقتصاد غير الشرعي، وتتنوّع وسائل نقل البضائع والأشخاص بعيداً عن المعابر النظامية.

على امتداد عقود، شكّلت البغال والحمير وسيلة تقليدية لنقل البضائع عبر المسالك الجبلية التي يصعب على الشاحنات اجتيازها. واستُخدمت في نقل سلع مختلفة، من الدخان والنحاس إلى بضائع أخرى، مستفيدةً من قدرتها على عبور الوديان والطرق الضيقة والوصول إلى مناطق يصعب بلوغها بالمركبات.

ورغم التطور الذي شهدته وسائل النقل، لم تختفِ هذه الوسيلة بالكامل من بعض المناطق الحدودية، حيث تفرض الطبيعة الجغرافية أحياناً العودة إلى خيارات تقليدية. لكن الحديث عن قدرة البغل على حمل أوزان كبيرة أو اجتياز مسارات معقّدة لا يعني أن استخدامه في التهريب يجري بالوتيرة نفسها في جميع المناطق.

وتزداد خطورة الملف عندما يتجاوز نقل البضائع العادية إلى المواد المتفجرة. فقد وردت تقارير عن ضبط الجيش اللبناني شحنة من مادة «C4» تزن نحو 200 كيلوغرام، قيل إنها كانت تُنقل على ظهر حمار عبر الجبال بين لبنان وسوريا. وتبقى تفاصيل هذه الواقعة بحاجة إلى الاستناد إلى المعلومات الرسمية المتاحة بشأنها.

لكن هل وصل سعر البغل المستخدم في التهريب فعلاً إلى 5000 دولار؟

المعطيات المتداولة لا تكفي لتأكيد هذا الرقم باعتباره سعراً ثابتاً أو معمّماً على المناطق الحدودية. كما تختلف ظروف التهريب باختلاف طبيعة الأرض والإجراءات الأمنية، إذ تسمح بعض أجزاء منطقة الهرمل بمرور المركبات، بينما تفرض مناطق جبلية أخرى، ولا سيما في أجزاء من البقاع الغربي وراشيا وجبل الشيخ، تحديات مختلفة على حركة النقل.

ولا تقف الحكاية عند البغال والحمير. فالدراجات النارية باتت، وفق إفادات محلية، إحدى الوسائل المستخدمة في نقل الأشخاص عبر مسارات حدودية يصعب على المركبات الكبيرة سلوكها.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «النهار» عن رئيس بلدية القاع بشير مطر أن عمليات تهريب أشخاص في المنطقة تتم بوسائل من بينها الدراجات النارية، مقابل مبالغ تتراوح بين 50 و100 دولار للشخص الواحد، تبعاً للمسافة. كما تحدث عن حركة دخول وخروج يومية، مع تقديرات لأعداد كبيرة من الأشخاص، من دون أن تشكّل هذه التقديرات إحصاءً مستقلاً مؤكداً

وتتعدد أسباب عبور الحدود خارج الأطر النظامية، بين دوافع أمنية واقتصادية وظروف معيشية مختلفة، فيما يتحول التهريب بالنسبة إلى بعض المتورطين إلى مصدر دخل، رغم مخاطره القانونية والإنسانية والأمنية.

المفارقة أن الحدود اللبنانية السورية، رغم كل التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها، لا تزال تواجه تحدياً قديماً بأدوات تتغير من مرحلة إلى أخرى. فحين لا تكفي الطرق النظامية، تستعيد المسالك الجبلية دورها، وحين تتبدل الظروف، تتبدل الوسائل والأسعار أيضاً.

في النهاية، ليست القضية حكاية بغلٍ ارتفع سعره أو دراجة نارية تعبر الحدود، بل سؤال أكبر عن قدرة الدولة على ضبط حدودها، وتجفيف شبكات التهريب، ومعالجة الظروف التي تجعل الاقتصاد غير الشرعي خياراً قائماً في بعض المناطق.