مراسل نيوز | لبنان أمام اختبار مزدوج: من يضبط الشارع ويقرّر مصير الجيش؟

مكتب التحرير خاص مراسل نيوز

مراسل نيوز | لبنان أمام اختبار مزدوج: من يضبط الشارع ويقرّر مصير الجيش؟

من اجتماع تامبا إلى تحقيقات شحنة المتفجرات والتحذيرات من انفجار داخلي وحرب إسرائيلية جديدة، تقف الدولة اللبنانية أمام معادلة شديدة التعقيد: حماية الاستقرار من دون التراجع عن سلطتها، ومنع الحرب من دون التفريط بقرارها الوطني.

أولاً: تامبا.. اختبار القرار اللبناني قبل اختبار الجيش

لا يمكن فصل الاجتماعات الأمنية التي تتناول مستقبل مهمّات الجيش اللبناني عن الصراع الدائر داخل لبنان حول مرجعية القرار الأمني والعسكري. فبين الضغوط الخارجية المتعلقة بترتيبات الجنوب، والتمسّك الرئاسي والحكومي باستكمال التحقيقات في شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر، تبدو الدولة أمام اختبار يتجاوز حدود الإجراءات التقنية إلى جوهر سلطتها وقدرتها على اتخاذ القرار.

وتبرز هنا أسئلة أساسية: من يحدّد مهمّات الجيش؟ وما الضمانات التي تقابل أي التزامات لبنانية؟ وكيف يمكن منع تحوّل الترتيبات الأمنية إلى وسيلة لفرض وقائع جديدة على لبنان، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والاحتلال في مناطق جنوبية؟

ثانياً: آلية التحقّق.. بين المطالب الأميركية والحسابات الإسرائيلية

تدور النقاشات حول صيغ لمراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية والتحقّق من الخطوات التي يتخذها الجيش اللبناني، بالتوازي مع الالتزامات المفترضة على الجانب الإسرائيلي. غير أنّ التباينات بشأن الجهة التي ستتولى هذه المهمة، وطبيعة دورها، ومدى قبول إسرائيل بوجود وسيط دولي، تضع أي صيغة محتملة أمام عقبات سياسية وأمنية.

وفي هذا السياق، يواجه لبنان ضرورة التمييز بين التعاون التقني الذي يخدم الاستقرار، وأي ترتيبات يمكن أن تمسّ استقلالية القرار العسكري أو تمنح إسرائيل تأثيراً مباشراً في حركة الجيش ومهمّاته

فالمؤسسة العسكرية لا تستطيع تحمّل تبعات خيارات استراتيجية تتجاوز صلاحياتها، ولا يمكن مطالبتها بتنفيذ التزامات غير واضحة في ظل غياب ضمانات مقابلة. وأي توسيع لمهمّاتها يحتاج إلى غطاء سياسي رسمي، يحدّد الأهداف والوسائل والضمانات، ويربط الإجراءات اللبنانية بالتزامات واضحة لوقف الاعتداءات واحترام السيادة.

ثالثاً: بعبدا.. التحقيق في المتفجرات واختبار هيبة الدولة

في الداخل، تتقدّم قضية شحنة المتفجرات في ضهر البيدر إلى واجهة المواجهة السياسية والأمنية. فتمسّك رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بمواصلة التحقيق يضع المؤسسات أمام مسؤولية كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة والأصول القانونية.

وفي المقابل، أثارت تحذيرات النائب إبراهيم الموسوي من احتمال «الانفجار» إذا استمر الضغط على حزب الله وبيئته، سجالاً حول حدود المواجهة السياسية، وإمكان انتقال الخلاف من المؤسسات إلى الشارع.

هنا تتجاوز القضية مسألة التحقيق بحد ذاتها، لتلامس سؤالاً أكثر حساسية: هل تستطيع الدولة متابعة ملف أمني وقضائي مهما بلغت تعقيداته، من دون أن تتحول التهديدات بالتصعيد الداخلي إلى عامل يقيّد عملها؟

إنّ تطبيق القانون لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استهدافاً سياسياً لأي جهة، كما لا يجوز أن يتحوّل الانتماء الحزبي أو النفوذ السياسي إلى مظلة تمنع المساءلة. فالفيصل في هذه القضية يجب أن يكون ما تثبته التحقيقات، وما يقرّره القضاء، ضمن ضمانات المحاكمة العادلة.

رابعاً: الشارع.. متى يصبح التحذير عامل ضغط على الدولة؟

تكتسب التحذيرات من انفجار الشارع خطورتها في ظل التوترات التي شهدتها بيروت أخيراً، وما رافقها من مخاوف سياسية من تكرار مشاهد سابقة هزّت الاستقرار الداخلي.

لكنّ احتمال التصعيد لا يعني أنّه أصبح حتمياً. فالمسؤولية تقع على عاتق جميع القوى السياسية في تجنّب التحريض، ومنع الاحتكاك، وعدم استخدام الشارع وسيلة للضغط على المؤسسات الدستورية أو التأثير في مسار القضاء.

وفي هذا الإطار، يحتاج الجيش والقوى الأمنية إلى موقف رسمي واضح وموحّد، يتيح لهما حماية المواطنين وحفظ النظام العام، بعيداً عن الحسابات الحزبية. كما تحتاج السلطة إلى الجمع بين الحزم القانوني والحكمة السياسية، حتى لا يتحوّل تنفيذ القانون إلى مواجهة مفتوحة، ولا يصبح الخوف من المواجهة سبباً لتعطيل العدالة.

خامساً: شبح الحرب الإسرائيلية.. الخطر الخارجي يتغذّى من الانقسام الداخلي

تتزايد المخاوف من تجدّد الحرب الإسرائيلية واتساع نطاق المواجهة الإقليمية، وسط تحذيرات دبلوماسية من احتمال تراجع الضوابط التي حكمت المرحلة السابقة. وتبرز في هذا السياق مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد إقليمي، بما في ذلك مواجهة محتملة بين إسرائيل وإيران، إلى جرّ لبنان مجدداً إلى حرب لا يملك اقتصاده ومجتمعه القدرة على تحمّل تبعاتها.

ولا تعني هذه التحذيرات أنّ الحرب أصبحت حتمية، لكنها تفرض على الدولة التعامل بجدية مع احتمالات التصعيد، وتعزيز قدرتها على حماية البلاد من تداعيات الصراعات الإقليمية.

غير أنّ الخطر لا يأتي من الحدود وحدها. فكلما اتّسع الانقسام الداخلي، وتراجعت الثقة بين المؤسسات والقوى السياسية، ازدادت هشاشة لبنان أمام أي تطور خارجي. وأي اضطراب أمني داخلي قد يمنح التصعيد الإقليمي مساحة إضافية، ويجعل احتواء تداعياته أكثر صعوبة.

الخلاصة: الدولة لا تستطيع إدارة الأزمات بقرارات مجزّأة

بين اجتماعات تامبا، والتحقيق في شحنة المتفجرات، والتحذيرات من الشارع، ومخاطر الحرب الإسرائيلية، يواجه لبنان اختباراً مترابطاً لا يمكن التعامل مع ملفاته بمعزل بعضها عن بعض.

المطلوب ليس وضع الجيش في مواجهة الداخل أو الخارج، ولا تحويل التحقيق القضائي إلى مادة للصراع السياسي، بل تثبيت مرجعية الدولة في الأمن والقضاء، وتوفير الغطاء السياسي اللازم للمؤسسات الشرعية، وربط أي ترتيبات أمنية بضمانات تحمي السيادة اللبنانية.

فالدولة التي تتردّد في تطبيق القانون خوفاً من التصعيد تضعف قدرتها على حماية الاستقرار، والدولة التي تدخل مواجهة بلا حسابات أو ضمانات قد تعرّض البلاد لمخاطر إضافية. وبين هذين المسارين، تكمن المسؤولية في فرض القانون بحكمة، وحماية القرار الوطني، ومنع لبنان من أن يصبح ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.