موجة ابتزاز تجتاح وسائل التواصل.. عشرات الشكاوى يومياً أمام السلطات
فيما تتدهور مقومات الدولة تباعاً ولا تقتصر على الخلافات السياسية المفتوحة بين الأفرقاء على سيل من الملفات، فإن ارتدادات سلبية أخرى تظهرعلى مواقع التواصل الاجتماعي وتسهم في تظهير مزيد من الخلافات ورفع الدعاوى بين المواطنين، في ظاهرة تبعث على القلق جراء استفحالها وسريانها في بيئات غير متماسكة في الأصل.في دلالة على هذا الواقع، تهطل الشكاوى على أبواب مكاتب المباحث الجنائية العامة التابعة للشرطة القضائية في بيروت بما يفوق الـ50 شكوى كل يوم، ويرهق العناصر والضباط المولجين متابعة هذا النوع من المهمات.وثمة وقائع سُجّلت في الأسابيع الأخيرة تؤشر لتفلت كثيرين من أبسط القواعد الأخلاقية والاجتماعية، إذ تنشط عصابات بواسطة أفراد أو مجموعات في ابتزاز أشخاص لقاء تحصيل أموال من ضحاياهم الذين يقعون في الفخ. ووصل الأمر بناشط في هذا الحقل إلى اتصاله برجل دين وتقديم نفسه على أنه فتاة ترغب في التعارف تمهيدا للقاءات حميمة. وقد نجح في إيقاعه والطلب منه أن يصور جسمه عارياً. وبعدما أوقعه في الفخ أخذ يطلب المال من رجل الدين الذي قدم شكوى في حق من استدرجه وتم إحضاره بجهود من المباحث الجنائية وإيداعه السجن.وثمة شكاوى يتقدم بها آباء ضد مجهولين كانوا يعمدون إلى استغلال تلميذات في المرحلة الثانوية ودفعهن إلى تصوير أجسامهن، ليتبين أن زملاء لهم من الذكور في مدارس معروفة في العاصمة والجبل كانوا يقدمون على مثل هذه الأفعال، إلى أن جرى إبلاغ الإدارة. وعندما طلب شاب مراهق من زميلته الأموال وهددها بنشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات الواتساب، لم تستطع إخبار والديها إلا بعدما انقطعت عن الذهاب إلى المدرسة وبلغت حدود الإقدام على الانتحار. وأدى تدخل والدها إلى تقديم شكوى كانت خلاصتها إنقاذ ابنته من الموت.تهديد فنانة؟من آخر فصول عمليات الابتزاز هذه، قيام ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي من فئة المنفرين في إطلالاته على إطلاق عبارات تهكم وسخرية حيال فنانة معروفة، وطلب منها مبلغاً من المال وإلا سيستمر في ممارسة هوايته هذه. إلا أنها لم تكترث لطلباته التي انتهت بإحضاره إلى المباحث الجنائية وتعهده بعدم الإقدام على فعلته ثانية.وتفيد مصادر أمنية بازدياد هذا النوع من الشكاوى مع الاعتراف بصعوبة المتابعة، لأن أفراداً من العصابات ينشطون في الخارج ولا يقصّرون في الإيقاع بأعداد كبيرة من المواطنين من مختلف الأعمار، مع تشديد من قيادة قوى الأمن الداخلي والقضاء المختص على متابعة كل هذا الملفات وتحذير المواطنين من الوقوع في حبائل المستفيدين من عامل التطور التكنولوجي في قطاع الاتصالات وأبوابه المشرّعة على مواقع التواصل الاجتماعي.
تشهد العاصمة فيضاناً من الشكاوى الجنائية المتعلقة بعمليات ابتزاز منظمة تستهدف شرائح متنوعة من المجتمع. وتتجاوز الشكاوى المرفوعة يومياً إلى أقسام المباحث الجنائية الخمسين، مما يرهق الجهاز الأمني وعناصره المختصة بمتابعة هذه الملفات.
تعكس الوقائع المسجلة حجم التفلت الأخلاقي والاجتماعي الذي بات يسود بيئات غير متماسكة أصلاً، حيث تنشط عصابات متخصصة في استدراج الضحايا عبر شخصيات وهمية ثم ابتزازهم مالياً. في إحدى الحالات، استطاع ناشط استدراج رجل دين بتقمصه شخصية فتاة، ودفعه لتصوير نفسه عارياً قبل بدء مطالبته بأموال. تمكنت المباحث من إلقاء القبض عليه وإيداعه السجن.
غير أن الفئات الأكثر عرضة للاستهداف هي القاصرات، حيث تقدم آباء بشكاوى ضد أشخاص كانوا يستغلون تلميذات في المرحلة الثانوية ويرغمونهن على تصوير أجسادهن. اتضح لاحقاً أن الجناة في عدد من الحالات زملاء للضحايا من الذكور في مدارس معروفة. وفي قضية مؤسفة، هددت فتاة مراهقة بنشر صورها على وسائل التواصل من قبل زميل طالب أموالاً منها، الأمر الذي دفعها لتوقف حضورها المدرسي والتفكير بالانتحار قبل تدخل والدها وتقديم الشكوى التي أنقذها.
امتدت الظاهرة لتشمل شخصيات عامة أيضاً. فناشط على وسائل التواصل قام بنشر تعليقات ساخرة وسخيفة حول فنانة معروفة وطالبها بمبلغ مالي تحت تهديد الاستمرار، إلا أن الفنانة رفضت الاستجابة مما أدى لإحضاره للمباحث وتعهده بعدم تكرار السلوك.
تشير المصادر الأمنية إلى ارتفاع مطرد في هذا النوع من الشكاوى، مع الاعتراف بصعوبات المتابعة خاصة عندما يكون الجناة يعملون من خارج الحدود. وقد شددت قيادات قوى الأمن والقضاء على أهمية مكافحة هذه الملفات وتحذير المواطنين من الوقوع في فخاخ المستفيدين من الثغرات التي توفرها التطورات التكنولوجية والمنصات الرقمية.