قبل أن تسيل الدماء… مَن يزرع في العقول فكرة القتل باسم الدين؟

بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري

قبل أن تسيل الدماء… مَن يزرع في العقول فكرة القتل باسم الدين؟

ليست المجازر الإرهابية وليدة لحظة، ولا يستيقظ مرتكبوها فجأة ليقرروا قتل الأبرياء. فقبل أن تُشهر البنادق، تكون أفكار قد تَشكّلت، وكراهية قد ترسّخت، وعقول أُقنعت بأن قتل الإنسان يمكن أن يتحول إلى فضيلة، وأن استهداف المختلف دينياً أو فكرياً فعلٌ مبرّر. هنا تكمن خطورة الإرهاب الحقيقية: ليس في الرصاصة وحدها، بل في العقل الذي يمنحها شرعية زائفة.

إن استهداف دور العبادة، كما في الاعتداء على كنيسة في الكرك الأردنية، ليس جريمة بحق الضحايا وحدهم، بل اعتداء على مبدأ التعايش، وعلى حق الإنسان في الإيمان والأمان والكرامة. ولا يجوز أن يُطلب من المسلمين تبرير جرائم يرتكبها متطرفون باسم الدين، كما لا يجوز تحميل دين بأكمله مسؤولية أفعال جماعات توظّفه لتبرير العنف. المعيار واضح: لا دين يمنح أحداً حق سفك دم الأبرياء.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلق الحكومات والمجتمعات ليس فقط: كيف نوقف الإرهابي؟ بل: كيف نمنع صناعة العقل الذي يتحول إلى إرهابي؟ فالأجهزة الأمنية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع وحدها مواجهة خطاب الكراهية، ولا انتزاع بذور التطرف من العقول بعد أن تُزرع فيها. تلك مسؤولية تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمرّ بالمؤسسات الدينية والإعلامية، وتنتهي بدولة تفرض القانون وتحمي حرية المعتقد وتواجه التحريض بلا انتقائية.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو الاكتفاء بإدانة الدم بعد سفكه، بينما نترك الأفكار التي تبرّره تتكاثر في الظل. فالتطرف لا يُهزم بالشعارات، بل بتعليم يُحصّن العقل، وخطاب ديني يرفض التكفير والتحريض، وعدالة تمنع استغلال المظالم لتجنيد الشباب، ومحاسبة واضحة لكل من يحرّض على العنف.

المعركة الحقيقية ضد الإرهاب لا تبدأ بعد إطلاق الرصاصة، بل قبلها بسنوات؛ حين نختار أيَّ إنسان نريد أن نصنع: إنساناً يرى في الاختلاف تهديداً، أم مواطناً يرى في كرامة الآخر امتداداً لكرامته. فالدول التي تحمي مواطنيها من الرصاص، لكنها تهمل حمايتهم من ثقافة الكراهية، تعالج نتائج الخطر وتترك أسبابه تنمو. وحينها، لن يكون السؤال عن موعد الجريمة المقبلة، بل عن سبب إصرارنا على انتظارها كي نتحرك.