حين تبتلع المقاومة الدولة: كيف تحوّل محور طهران من شعار حماية الأوطان إلى سلطة فوق السيادة؟

حين تبتلع المقاومة الدولة: كيف تحوّل محور طهران من شعار حماية الأوطان إلى سلطة فوق السيادة؟

المشكلة ليست في الشعارات التي ترفعها إيران وحلفاؤها، بل في القرارات التي تُتخذ باسمها، وفي الشعوب التي تُترك لتدفع أثمانها.

في الشرق الأوسط، لا تُقاس المشاريع السياسية بما تقوله عن نفسها، بل بما تتركه خلفها من دولٍ أقوى أو أضعف، واقتصاداتٍ أكثر استقراراً أو هشاشة، وشعوبٍ تملك قرارها أو تجد نفسها رهينة قرارات لم تشارك في صنعها.

ومن هذا المعيار تحديداً، ينبغي قراءة الدور الإيراني وشبكة حلفائه المسلحين، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن. فالقضية لم تعد مجرد خلاف سياسي مع طهران، ولا مجرد سجال حول مفهوم المقاومة؛ إنها سؤال استراتيجي يمسّ جوهر الدولة العربية: هل تملك الدولة قرار الحرب والسلم، أم تتقاسمه مع قوة مسلحة ترتبط بمشروع إقليمي عابر للحدود؟

نجحت إيران في بناء شبكة نفوذ إقليمية تستند إلى حلفاء محليين، وقوى مسلحة، وخطاب أيديولوجي يقدّم الصراع بوصفه معركة كبرى تتجاوز حدود الدول. لكن النفوذ، مهما اتسع، ليس دليلاً تلقائياً على النجاح الاستراتيجي.

فالنفوذ الذي يضعف مؤسسات الدولة، ويعمّق الانقسامات الداخلية، ويجعل المجتمعات عرضة للعقوبات أو المواجهات العسكرية، قد يتحول من مكسب جيوسياسي إلى عبء طويل الأمد. والسؤال الذي ينبغي طرحه على طهران ليس كم حليفاً تملك، بل كم دولةً ساعدت على بنائها، وكم مجتمعاً جنّبته ويلات الصراع.

لا يمكن اختزال كل أزمات المنطقة في إيران وحدها؛ فهناك تدخلات خارجية أخرى، وأزمات داخلية، وصراعات تاريخية معقدة. لكن ذلك لا يمنح طهران حصانة من المساءلة عن سياساتها، ولا يعفي حلفاءها من مسؤولية الخيارات التي يتخذونها.

المشكلة الاستراتيجية تبدأ حين يصبح توسيع النفوذ أهم من استقرار الدولة التي يُمارَس النفوذ داخلها.

في لبنان، يتجاوز السؤال حزب الله بوصفه حزباً سياسياً أو قوة عسكرية؛ إنه يتعلق بموقع السلاح في النظام الوطني، وبحق اللبنانيين في تقرير مصيرهم من خلال مؤسساتهم الدستورية.

قدّم الحزب سلاحه باعتباره ضمانة في مواجهة إسرائيل. لكن أي نقاش جدي حول هذه الحجة يجب ألا يتوقف عند النوايا المعلنة، بل أن يختبر النتائج: هل عزز هذا الواقع قدرة الدولة اللبنانية على حماية مواطنيها؟ هل أخضع قرار الحرب والسلم لمؤسساتها؟ وهل أصبحت البلاد أكثر أمناً واستقراراً، أم أكثر عرضة لأن تتحول إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية؟

هذه أسئلة مشروعة لا تجيب عنها الشعارات، ولا يحسمها التخوين المتبادل

ولا يحتاج هذا النقد إلى إنكار مخاوف اللبنانيين من إسرائيل أو تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية؛ فحق لبنان في الدفاع عن نفسه لا يتناقض مع حق اللبنانيين في مساءلة كل قوة مسلحة، ولا مع ضرورة أن يكون الدفاع الوطني خاضعاً لاستراتيجية دولة واحدة.

لبنان ليس تفصيلاً في حسابات طهران، ولا ينبغي أن يكون مستقبله رهينة لأي محور

الحوثيون: حين يصبح اليمن ورقة في صراع أكبر

إن استهداف دول الجوار أو توسيع نطاق العمليات العسكرية لا يُقاس فقط بالرسالة التي يراد إيصالها، بل أيضاً بكلفته على السكان، والاقتصاد، وفرص السلام، ومستقبل الدولة اليمنية. وكلما اتسعت دائرة المواجهة، ازداد خطر أن تصبح معاناة المدنيين جزءاً من معادلة الضغط السياسي.

ومن غير الدقيق افتراض أن الحوثيين مجرد أداة بلا إرادة محلية؛ فلهم حساباتهم وجذورهم اليمنية. لكن استقلالية القرار المحلي لا تلغي ضرورة مساءلة علاقاتهم الخارجية، ولا تمنع السؤال عن مقدار ما يخدمه التصعيد من مصالح اليمنيين، ومقدار ما ينسجم مع حسابات إقليمية أوسع

فالبلد الذي يُستنزف في صراع لا يملك وحده تحديد نهايته، قد يخسر من قدرته على بناء الدولة بقدر ما يكتسب من أوراق التفاوض.

الخليج واللبنانيون: من يدفع ثمن المغامرات؟

لا ينبغي النظر إلى العلاقة بين لبنان ودول الخليج باعتبارها ملفاً دبلوماسياً عابراً. إنها علاقة ترتبط بفرص العمل، والتحويلات المالية، والاستثمارات، ومصالح عائلات لبنانية كثيرة، فضلاً عن موقع لبنان الاقتصادي في محيطه العربي.

وعندما يتصاعد التوتر الإقليمي، فإن الخطر لا يتوقف عند حدود المواجهة العسكرية؛ فقد يمتد إلى الثقة السياسية، وحركة الاستثمار، وفرص العمل، وصورة الدولة اللبنانية لدى شركائها.

لكن المسؤولية تقتضي الدقة: لا يجوز تحويل المخاوف الاقتصادية إلى أرقام جازمة بلا مصادر، ولا افتراض أن كل أزمة في العلاقات الخليجية اللبنانية ستؤدي تلقائياً إلى انهيار التحويلات أو فقدان الوظائف. المطلوب هو فهم حجم المصالح المعرضة للخطر، وحمايتها بسياسة خارجية مسؤولة، لا باستخدامها أداة للتهويل.

والسؤال هنا بالغ الوضوح: ما مصلحة العامل اللبناني في أن يدفع ثمن توتر لم يقرر مساره؟ وما مصلحة لبنان في خسارة علاقاته العربية، بينما هو في أمسّ الحاجة إلى التعافي والاستقرار؟

وفي الملفات الأمنية، ومنها الادعاءات المتعلقة بمواد متفجرة أو تنسيق عملياتي بين أطراف إقليمية، يجب التمييز بين المعلومة المثبتة، والقراءة السياسية، والاتهام الذي يحتاج إلى أدلة مستقلة.

قد تكون هناك مؤشرات تستحق التحقيق، وقد تثير التطورات المتزامنة أسئلة جدية حول التنسيق والارتباطات. لكن التزامن وحده لا يثبت وجود غرفة عمليات موحدة، والاشتباه ليس حكماً، والاستنتاج ليس دليلاً.د

إن قوة الكاتب الاستراتيجي لا تظهر في إطلاق الاتهامات الأشد، بل في قدرته على بناء حجة يصعب إسقاطها: ما الوقائع؟ ما مصادرها؟ ما الذي تثبته فعلاً؟ وما الذي يبقى احتمالاً يحتاج إلى تحقق؟

بهذه المنهجية وحدها يمكن كشف التناقضات ومحاسبة أصحاب القرار، من دون منحهم فرصة تفنيد النقد بسبب مبالغات أو معلومات غير موثقة.

لا تُقاس سيادة الدول بعدد الشعارات التي ترفعها، ولا بعدد الأسلحة الموجودة على أراضيها، بل بقدرتها على اتخاذ قراراتها من مؤسساتها الشرعية، وحماية مواطنيها، وتحديد مصالحها بعيداً عن الإملاءات الخارجية.

ولذلك، فإن نقد المشروع الإيراني لا يكتمل بترديد الاتهامات ضد طهران، بل بفحص نتائج سياستها في الدول التي يمتد إليها نفوذها. ونقد حزب الله لا يكون بتجريم بيئته الاجتماعية، بل بمساءلة موقع سلاحه من الدولة ومقدار ما يفرضه من مخاطر على اللبنانيين. ونقد الحوثيين لا يتطلب تجاهل جذور الأزمة اليمنية، بل مساءلة خيارات التصعيد وأثمانها على اليمن ومستقبله.

المبدأ واحد: لا شرعية سياسية تمنح أي طرف حق احتكار قرار شعب بأكمله، ولا قضية عادلة تبرر إعفاء أصحاب القوة من المساءلة.

قد تكسب المحاور نفوذاً من خلال السلاح، لكنها لا تستطيع أن تضمن به استقرار الدول إلى الأبد. وقد تربح القوى جولات في الصراع، فيما تخسر المجتمعات سنوات من التنمية والثقة والأمان.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين شعار وشعار؛ إنها بين دولة تملك قرارها، ومحور يريد أن يجعل قرارها جزءاً من حساباته.

والتاريخ لا يسأل الشعوب عن جمال الشعارات التي رُفعت باسمها، بل عمّا بقي لها حين انتهت المواجهات: دولةٌ أقوى، أم وطنٌ أكثر إنهاكاً؟