الرسائل الصاروخية الضالة نحو القبلة: انتحار جيوسياسي يستنفر 'عقيدة الردع' لدى سُنة لبنان"

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

الرسائل الصاروخية الضالة نحو القبلة: انتحار جيوسياسي يستنفر 'عقيدة الردع' لدى سُنة لبنان"

حين تضلّ مسيرات وصواريخ "أنصار الله" (الحوثيين) بوصلتها الجغرافية وتتجرأ على الاقتراب من حدود جغرافيا المقدسات (مكة المكرمة والمدينة المنورة)، تسقط فوراً لغة "الحسابات السياسية الباردة"، ويتحول المشهد الإقليمي من صراع نفوذ بالنقاط إلى معركة وجود وعقيدة استراتيجية كبرى.

إن التطورات العسكرية الأخيرة في الميدان اليمني، والاعتراضات الصاروخية المتتالية في الأجواء السعودية، لم تكن مجرد جولة تصعيد اعتيادية؛ بل كانت الصاعق الجيوسياسي الذي ضرب العصب الحيوي للشارع السني في لبنان، محدثاً زلزالاً سياسياً وشعبياً غير مسبوق، أعلن فيه المكون السني—بمرجعياته الدينية وقواه الحية—خلع قفازات الدبلوماسية التقليدية والمواجهة المباشرة.

سقوط "الأقنعة" والمناورات الإقليمية

بالنسبة للقراءة الاستراتيجية المخضرمة، لم يعد مفهوماً ولا مقبولاً في وجدان بيروت وطرابلس وصيدا التعاطي مع الصاروخ الحوثي كأداة "ضغط محلي" في اليمن. إن اقتراب النيران من حاميتي الحرمين الشريفين، يمثل في المنظور السني اللبناني اعتداءً سافراً تديره غرف العمليات الإقليمية في طهران.

من هنا، جاء الاستنفار السني اللبناني الحاسم ليتجاوز صيغ "الاستنكار الخجول". لقد أدركت المرجعيات، وعلى رأسها دار الفتوى، أن اللعب بنيران جغرافيا المقدسات خط أحمر لا يمكن تسييسه أو إخضاعه للمساومة، وأن أمن الرياض واستقرارها هو جزء لا يتجزأ من عقيدة الأمن القومي اللبناني والعربي.

تفجير معادلة "النأي بالنفس" اللبنانية

هذا الغليان السني يضع التوازنات الداخلية اللبنانية الهشة أمام واقع جديد وقاسٍ. لقد سقطت عملياً وإلى غير رجعة كذبة "النأي بالنفس" التي تلطت خلفها بعض القوى الحليفة للمحور الإيراني لسنوات. فالشارع السني اليوم بات يرى في الصمت عن استهداف المملكة تواطؤاً مباشراً، وهو ما سيرفع كلفة أي مغامرة سياسية محليّة قادمة تحاول عزل لبنان عن عمقه العربي التاريخي. ورغم محاولات الجماعة الحوثية الدائمة لنفي تعمد استهداف الرموز الدينية وتسويق ذلك كدعاية إعلامية مضادة، إلا أن لغة العسكر واختراق الأجواء الاستراتيجية لا يتركان أي هامش لحسن النوايا.

الردع العقدي.. البوصلة التي لن تنحرف

خلاصة القول الاستراتيجي؛ إن التصعيد اليمني الأخير ضد المملكة العربية السعودية، بدلاً من أن يفرض شروطاً تفاوضية جديدة لصالح محور المقاومة، أتى بنتائج عكسية تماماً في الميدان السياسي اللبناني. لقد أعاد إحياء "عصب الردع السني" وجعل من جغرافيا المقدسات الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها أوهام التمدد الصاروخي. من بيروت، الرسالة اليوم واضحة وحازمة: أمن الحرمين واستقرار المملكة خطان أحمران، ودونهما تنتهي كل لغات التهدئة وتبدأ معادلات المواجهة المفتوحة.