من بيروت إلى صنعاء: كيف تُفكَّك أذرع إيران ويُعاد رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، مروراً بفصائل مسلحة في العراق، تتجلى معادلة استراتيجية واحدة: كلما عجزت الدولة عن احتكار قرار الحرب والسلم، اتسعت مساحة القوى التي تستطيع مصادرة سيادتها وتحويل أراضيها إلى أوراق تفاوض في صراعات الآخرين.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان بالإمكان إلحاق هزيمة عسكرية بهذه الجماعات، بل كيف يمكن تحويل تراجعها العسكري إلى تغيير سياسي دائم ينهي قدرتها على إعادة إنتاج نفوذها.
اختزال النفوذ الإيراني في الصواريخ والطائرات المسيّرة والسلاح الثقيل يمثل خطأً في قراءة طبيعة هذه المنظومة. فالسلاح ليس سوى أحد مكوناتها؛ أما استمرارها فيرتبط أيضاً بالتمويل، وشبكات الإمداد، والتحالفات السياسية، والفراغ المؤسسي، والقدرة على استثمار الانقسامات الاجتماعية.
لهذا، فإن أي استراتيجية تكتفي بإضعاف القدرات العسكرية قد تحقق مكاسب ميدانية، لكنها لا تضمن تغيير المعادلة السياسية. فالجماعة التي تخسر جزءاً من ترسانتها قد تحتفظ بنفوذها داخل مؤسسات الدولة، أو تعيد بناء قدراتها عندما تتراجع الضغوط، أو تستثمر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لتجديد حضورها.
المطلوب، إذاً، هو الانتقال من سياسة احتواء التهديد إلى معالجة مصادره: تقليص التمويل غير المشروع، وتعزيز الرقابة على شبكات التسليح، ورفع قدرة المؤسسات الشرعية على فرض القانون، وبناء بيئة سياسية لا تجعل السلاح شرطاً للمشاركة في السلطة.
فالهزيمة العسكرية تُضعف الميليشيا، أما استعادة الدولة لوظائفها فتُضعف الأسباب التي تسمح لها بالبقاء.
حزب الله والحوثيون... معركة واحدة بمعادلات مختلف
رغم ارتباط الحالتين بمسألة النفوذ الإيراني، فإن التعامل معهما باعتبارهما نموذجاً متطابقاً يقود إلى استنتاجات خاطئة.
في لبنان، تتمثل المعضلة في وجود قوة عسكرية مستقلة عن القرار السيادي للدولة، ضمن نظام سياسي شديد التعقيد، تتداخل فيه الاعتبارات الطائفية والمؤسساتية والإقليمية. ولذلك، فإن استعادة الدولة قرارها تتطلب تعزيز قدرات الجيش، وتطبيق القوانين والقرارات المتعلقة بحصرية السلاح، وبناء توافق وطني يمنع تحويل الخلاف السياسي إلى صدام داخلي.
أما في اليمن، فالمشهد أكثر تعقيداً بفعل الحرب الطويلة والانقسام المؤسسي والسيطرة الحوثية على مناطق واسعة. ولا يكفي استعادة الأرض إذا بقيت مؤسسات الدولة ضعيفة، أو ظلت التسوية السياسية عاجزة عن معالجة مسألة السلاح والسلطة والضمانات الأمنية.
في الحالتين، لا يمكن فصل الأمن عن السياسة، ولا يمكن بناء استقرار مستدام على تسوية تترك للدولة اسماً ومؤسسات، بينما تحتفظ جماعة مسلحة بالقدرة على تعطيل قراراتها المصيرية.
لبنان يحتاج إلى استعادة القرار السيادي من داخل دولته ومؤسساته، واليمن يحتاج إلى إعادة بناء الدولة في مواجهة الانقسام والحرب. والهدف المشترك هو ألا يبقى السلاح خارج الشرعية قادراً على تحديد مستقبل البلاد.
الرهان على مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران قد يوسع دائرة الصراع، ويزيد الضغوط الاقتصادية والأمنية، ويمنح الجماعات المسلحة مبررات إضافية للتعبئة. وفي المقابل، فإن الاكتفاء بالاحتجاجات الدبلوماسية أو التسويات المؤقتة لن ينهي التهديد ما دامت أدواته قادرة على العمل.
المعادلة الأكثر فاعلية تقوم على ردع الاعتداءات، وتعزيز الدفاع عن الأراضي والمنشآت المدنية والممرات البحرية، وتنسيق الجهود الإقليمية والدولية، ومحاسبة الشبكات المتورطة في التمويل والتسليح غير المشروع وفق القانون.
لكن العامل الحاسم لا يكمن خارج هذه الدول وحده، بل في داخلها أيضاً. فكلما ازدادت كفاءة المؤسسات، وتراجعت مستويات الفساد، وتحسنت الخدمات العامة، وتوفرت فرص المشاركة السياسية، ضاقت المساحة التي تستطيع الجماعات المسلحة استثمارها لتبرير احتفاظها بقوة مستقلة.
ولا يعني ذلك أن الفقر وحده يصنع الميليشيات، أو أن تحسين الخدمات ينهي نفوذها تلقائياً؛ بل إن بناء الدولة يقلل قدرتها على استغلال مواطن الضعف، ويمنح المواطنين بديلاً مؤسسياً عن شبكات النفوذ المسلح.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق الاستراتيجية: لا تستطيع دولة أن تنهي نفوذ خصمها الإقليمي بصورة مستدامة إذا بقيت الدول التي ينشط فيها هذا الخصم عاجزة عن حماية سيادتها.
البحر الأحمر والخليج... حين يتحول النفوذ المحلي إلى تهديد دولي
تكشف التهديدات التي تطال الملاحة في البحر
تكشف التهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب أن آثار الصراعات المحلية لم تعد محصورة داخل حدودها. فاضطراب الممرات البحرية ينعكس على التجارة العالمية وتكاليف النقل وأمن الطاقة، فيما قد يؤدي استهداف المنشآت المدنية إلى توسيع المواجهة وتدويلها.
لذلك، لا بد من الجمع بين حماية الملاحة، وتعزيز التعاون الدفاعي، وملاحقة شبكات التسليح غير المشروع، والعمل الدبلوماسي لمنع التصعيد. كما ينبغي أن ترتبط أي تسوية في اليمن بضمانات تمنع استخدام الأراضي والقدرات العسكرية لتهديد دول الجوار.
غير أن حماية الأمن الإقليمي لا تعني تحويل اليمن أو لبنان إلى ساحتي صراع بالوكالة بين قوى خارجية. فالغاية ليست استبدال نفوذ خارجي بآخر، بل تمكين الدول من اتخاذ قراراتها وفق مصالح شعوبها ومقتضيات سيادتها.
هنا تقع الثغرة الكبرى في كثير من المقاربات العسكرية: ماذا بعد تراجع الجماعة المسلحة؟ ومن يملأ الفراغ؟ وكيف تُمنع عودة السلاح خارج المؤسسات؟ وما الضمانات التي تجعل الالتزام بالتسوية أكثر جدوى من العودة إلى المواجهة؟
إذا لم تكن هناك مؤسسات قادرة على توفير الأمن، وقضاء يستطيع تطبيق القانون، ونظام سياسي يستوعب التعددية، فإن الفراغ قد يتحول إلى فرصة لعودة القوى نفسها أو ظهور جماعات جديدة.
لذلك، يجب ألا تُقاس النتائج بعدد المواقع التي جرى استعادتها أو الأسلحة التي دُمّرت فحسب، بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، ومنع الاعتداءات، وضبط حدودها، وإخضاع المؤسسات الأمنية للسلطة الشرعية، وحرمان أي جهة من فرض قراراتها بالقوة.
كما أن استعادة السيادة لا تعني إقصاء المكونات الاجتماعية أو حرمانها من المشاركة السياسية، بل الفصل الواضح بين حق المواطنين في التمثيل وبين امتلاك جماعة مسلحة حقاً مستقلاً في تقرير الحرب والسلم.
فمن بيروت إلى صنعاء، لا يتعلق الأمر بمصير جماعة واحدة، بل بمستقبل مفهوم الدولة في الشرق الأوسط: هل تكون السيادة حقاً حصرياً للمؤسسات الشرعية، أم تبقى موزعة بين الحكومات ومراكز القوة المسلحة؟
إن الانتصار الحقيقي لا يتحقق عندما تعجز الميليشيا عن خوض معركة، بل عندما تفقد القدرة على فرض قرارها على الدولة. ولا يُقاس تراجع النفوذ الإيراني بعدد الجبهات التي تخسرها طهران فحسب، بل بعدد الدول التي تستعيد قرارها الوطني وتصبح قادرة على حماية سيادتها.
تلك هي المعركة الاستراتيجية الأعمق: ليس إسقاط الميليشيات لمجرد إسقاطها، بل إنهاء المعادلات التي جعلت وجودها أقوى من الدولة، وبناء واقع إقليمي لا يستطيع فيه السلاح أن يحل محل السياسة، ولا يستطيع النفوذ الخارجي أن يصادر إرادة الأوطان.