حين تُحاصَر طهران… هل يدفع لبنان ثمن معركتها الكبرى؟
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
حين تضيق الخيارات أمام طهران، يصبح لبنان أمام اختبار سيادي بالغ الخطورة: هل يبقى بمنأى عن صراعات الإقليم، أم يتحول مجدداً إلى ورقة ضغط في مواجهة تتجاوز حدوده؟
تكشف قضية شاحنة المتفجرات المضبوطة على حاجز ضهر البيدر، وفق الروايات المتداولة، عن تصاعد التوتر بين الدولة اللبنانية و«حزب الله»، في لحظة تتشابك فيها الضغوط الأميركية، والمواجهة مع إسرائيل، وحسابات النفوذ الإيراني. وبين اتهامات الحزب بوجود استهداف سياسي له، وإصرار الدولة على فرض سلطتها، تتجاوز القضية مسألة شحنة سلاح لتطرح سؤالاً جوهرياً: مَن يملك القرار الأمني والعسكري في لبنان؟
يعتبر الحزب أن التعامل مع الشاحنة قد يشكّل مدخلاً لتوسيع المواجهة معه، فيما يرفع سقف خطابه محذراً من استهدافه ومؤكداً استعداده لمواجهة الضغوط. لكن هذا التصعيد يفتح الباب أمام احتمالات تتجاوز الحسابات الداخلية، ولا سيما إذا تزامن مع اتساع المواجهة الأميركية ـ الإيرانية أو عودة التصعيد العسكري الإسرائيلي.
هنا تبرز فرضية تستحق التدقيق: هل يمكن أن تسعى طهران إلى توظيف نفوذها في لبنان لتحسين موقعها الإقليمي، عبر الضغط على حكومة نواف سلام والرئاسة برئاسة جوزاف عون؟ لا تتوافر معطيات كافية للجزم بوجود قرار إيراني لإسقاط الحكومة أو تفجير مواجهة داخلية، لكن تزامن الأزمات يجعل من الضروري مراقبة الوقائع، لا الاكتفاء بالتصريحات.
في المقابل، فإن أي مواجهة غير محسوبة بين الدولة والحزب قد تمنح إسرائيل فرصة لتوسيع عملياتها، فيما يدفع اللبنانيون الثمن أمنياً واقتصادياً وسياسياً. فالتحدي لا يكمن فقط في احتواء شحنة متفجرات أو تبادل المواقف الحادة، بل في منع انهيار ما تبقّى من التفاهمات الداخلية وانزلاق البلاد إلى صراع مفتوح.
المعادلة واضحة: لا يمكن بناء دولة مستقرة بوجود قرارات أمنية وعسكرية خارج مؤسساتها، كما لا يمكن استعادة السيادة عبر خطوات متسرعة تفتح الباب أمام انفجار داخلي. المطلوب تطبيق القانون، وحماية المؤسسات، وإدارة الخلاف بالحوار ضمن الأطر الدستورية، بعيداً عن التهديد والترهيب.
لبنان ليس صندوق بريد لطهران، ولا ساحة لتصفية الحسابات الإسرائيلية، ولا ورقة تفاوض في يد أي محور. والمعركة الحقيقية اليوم ليست مَن يُسقط الحكومة أو يفرض إرادته على الآخر، بل ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على حماية قرارها الوطني ومنع تحويل البلاد إلى جبهة بديلة في صراع الآخرين.