مراسل نيوز | شحنة متفجرات ضهر البيدر تهزّ عرش الدولة: إمّا سيادة القانون أو سقوط آخر أقنعة السيادة!

بقلم ه‍ئية التحرير خاص مراسل نيوز

مراسل نيوز | شحنة متفجرات ضهر البيدر تهزّ عرش الدولة: إمّا سيادة القانون أو سقوط آخر أقنعة السيادة!

لم تعد القضية مجرّد شاحنة ضبطتها الأجهزة الأمنية عند حاجز ضهر البيدر الاستراتيجي، بل باتت اختباراً سياسياً وأمنياً بالغ الخطورة لهيبة الجمهورية اللبنانية وما تبقّى من الثقة بين منطق الدولة ومؤسساتها، ومنطق السلاح الخارج عن سلطتها.

إن إعلان حزب الله ملكيته للشحنة، وفق المعطيات المتداولة، يضع الدولة أمام استحقاق بالغ الحساسية: هل يُترك القضاء والأجهزة الأمنية لاستكمال عملها وفق القانون، أم تتحوّل القضية إلى مواجهة سياسية تفرض فيها موازين القوى شروطها على المؤسسات الشرعية؟ هنا تكمن خطورة الملف، الذي يتجاوز مصير الموقوفين والشحنة إلى جوهر مفهوم الدولة وسيادتها.

نواب السيادة أمام امتحان الحقيقة

لا يقلّ الاختبار السياسي أهمية عن الاختبار الأمني. فالكتل النيابية التي ترفع شعارات السيادة واستعادة القرار الوطني المستقل مطالبة اليوم بتجاوز بيانات الاستنكار والمواقف الإعلامية، والانتقال إلى خطوات دستورية وسياسية واضحة.

إن ضبط شحنة يُقال إنها تضمّ مئات الكيلوغرامات من المواد شديدة الانفجار، بينها TNT وC4، ليس تفصيلاً أمنياً يمكن تجاوزه بخطابات موسمية. فالقضية تستدعي كشف مصدر الشحنة، والجهة التي كانت ستتسلّمها، والوجهة التي كانت ستُنقل إليها، والظروف التي رافقت نقلها، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات كاملة أمام القضاء.

وعلى النواب السياديين والمعارضين والمستقلين أن يحدّدوا موقفهم بوضوح: هل سيستخدمون صلاحياتهم الدستورية والرقابية لمساءلة الحكومة ومحاسبتها إذا قصّرت في حماية سلطة القانون، أم سيكتفون بمواقف لا تغيّر شيئاً في واقع البلاد؟ إن مصداقية الخطاب السيادي تُقاس بالفعل، لا بحجم الشعارات.

الحكومة والقضاء: لا تسويات على حساب القانون

تقف حكومة الرئيس نواف سلام أمام مسؤولية وطنية مباشرة، فيما تقع على عاتق القضاء المختص مهمة إدارة التحقيقات باستقلالية كاملة، بعيداً عن الضغوط السياسية والأمنية. فأي محاولة للتأثير في مسار التحقيق، أو تجاوز الأصول القانونية، أو التعامل مع الملف بمنطق التسويات، ستطرح أسئلة جدية حول قدرة الدولة على حماية مؤسساتها وإنفاذ قوانينها.

لكن الحزم المطلوب لا يعني إصدار أحكام مسبقة أو تجاوز قرينة البراءة، بل يعني ضمان عدم الإفلات من المساءلة، وتوفير الحماية للمحققين، وصون الأدلة، وكشف الحقيقة كاملة، أياً تكن الجهة التي قد تقود إليها التحقيقات.

وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة استحقاقات أساسية:

أولاً، حماية التحقيق والموقوفين: إبقاء الملف في عهدة القضاء المختص، واتخاذ القرارات المتعلقة بالموقوفين وفق الأدلة والأصول القانونية، مع منع أي تدخل سياسي أو أمني في عمل المحققين.

ثانياً، ضبط المتفجرات ومصيرها: ضمان حفظ الشحنة المضبوطة وتأمينها وفق الإجراءات الفنية والأمنية المعتمدة، وتحديد مصيرها القانوني بالتنسيق مع الجهات الرسمية المختصة، منعاً لأي مخاطر أو تجاوزات.

ثالثاً، تطبيق قرارات الدولة: تنفيذ القرارات الحكومية النافذة المتعلقة بحصرية السلاح والأنشطة العسكرية والأمنية بيد المؤسسات الشرعية، وفق القانون، وعلى كامل الأراضي اللبنانية، من دون انتقائية أو استثناءات سياسية.

ضهر البيدر: لحظة فاصلة في معركة الدولة

تكمن خطورة قضية ضهر البيدر في الرسالة التي قد تنتج عنها: إما أن تؤكد الدولة أن القانون يسري على الجميع، وأن القضاء لا يخضع لأي مرجعية خارج المؤسسات الدستورية، وإما أن تتكرّس مجدداً معادلة تضعف ثقة اللبنانيين بقدرة مؤسساتهم على فرض سلطتها.

لم يعد المطلوب بيانات إضافية، بل موقف مؤسساتي واضح، وتحقيق شفاف، ومحاسبة قانونية، وإجابات صريحة عن الأسئلة التي أثارتها القضية. فالدولة لا تستعيد هيبتها بالشعارات، ولا تحمي السلم الأهلي بالتغاضي عن الوقائع، بل بتطبيق القانون بعدالة، ومن دون انتقام أو محاباة.

إن شاحنة ضهر البيدر تضع لبنان أمام امتحان حقيقي: إما أن تنتصر المؤسسات الشرعية لسلطة القانون وتثبت أن السيادة ليست شعاراً سياسياً، بل ممارسة يومية، وإما أن تتعمّق أزمة الثقة ويتعزّز الانطباع بأن موازين القوى أقوى من الدستور.

في نهاية المطاف، ليست القضية مَن يملك الشاحنة فحسب، بل مَن يملك القرار في لبنان: الدولة بمؤسساتها وقوانينها، أم موازين القوى التي تحاول فرض نفسها فوقها. والجواب لا يُكتب بالبيانات، بل بما ستفعله الدولة والقضاء أمام اختبار ضهر البيدر.