إيران والحوثيون… حين تنقلب أوراق النفوذ إلى فخّ استراتيجي ويبدأ انكشاف المشروع

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

إيران والحوثيون… حين تنقلب أوراق النفوذ إلى فخّ استراتيجي ويبدأ انكشاف المشروع

ليست المنطقة أمام جولة تصعيد عابرة، بل أمام سؤال استراتيجي يضرب في صميم المشروع الإيراني: إلى متى يمكن تحويل الدول إلى ساحات، والجماعات المسلحة إلى أدوات نفوذ، وأمن الشعوب إلى أوراق مساومة، ثم التنصّل من كلفة النتائج؟

حين يصبح أمن المسافرين موضع تهديد، والمطارات عرضةً للخطر، وباب المندب ورقة ضغط على العالم، لا يعود الأمر مجرد حادثة أمنية أو رسالة عسكرية؛ بل يصبح اختباراً لإرادة الدول وقدرتها على حماية سيادتها، وكشف الجهات التي تستفيد من إبقاء المنطقة على حافة الانفجار.

إن خطورة المشهد لا تكمن في التهديد وحده، بل في البيئة السياسية والعسكرية التي تسمح بتكراره. وهنا تبرز العلاقة بين إيران والحوثيين بوصفها ملفاً يستحق تدقيقاً استراتيجياً يتجاوز الشعارات: ما طبيعة الدعم الإيراني؟ وإلى أي مدى ينعكس على قدرات الحوثيين وقراراتهم؟ ومن المستفيد من توسيع دائرة المواجهة، فيما يدفع اليمنيون وشعوب المنطقة أثمانها؟

هذه أسئلة لا تُحسم بالاتهامات وحدها، بل بالأدلة الموثوقة، ومسارات السلاح، وأنماط الدعم، وتوقيت التحركات، والنتائج الميدانية. لكن تجاهلها لا يقل خطورة عن إطلاق أحكام بلا برهان؛ فحين تتكرر التهديدات وتتقاطع المصالح، يصبح واجباً تفكيك المشهد ومساءلة الأطراف المعنية، بعيداً عن التبرير السياسي والتضليل الإعلامي.

لقد أتاحت الجماعات المسلحة لإيران مجالاً لتوسيع نفوذها الإقليمي وامتلاك أوراق ضغط تتجاوز حدودها. غير أن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضاً جوهرياً: فالأداة التي تمنح صاحبها نفوذاً في لحظة قد تتحول إلى مصدر استنزاف في لحظة أخرى، والتصعيد الذي يُراد منه إخضاع الخصوم قد يدفعهم إلى بناء تحالفات أكثر صلابة، ورفع كلفة المواجهة، وإغلاق مساحات المناورة أمام من أشعلها.

أما اليمن، فلا يجوز أن يبقى رهينة حسابات تتجاوز مصالح شعبه، ولا أن تتحول جغرافيته إلى منصة تهدد أمن المنطقة والملاحة الدولية. فباب المندب ليس ورقة محلية، بل ممر حيوي تتشابك عنده مصالح العالم؛ وأي تهديد لأمنه يتجاوز حدود المواجهة الإقليمية، ويضع الاستقرار الاقتصادي وأمن التجارة الدولية أمام مخاطر حقيقية.

وهنا يبدأ انكشاف الرهان: حين يتحول النفوذ إلى مصدر اضطراب، وتصبح أدوات الضغط عبئاً على أصحابها، ويغدو التصعيد سبباً في توحيد خصوم كان يُراد تفريقهم. فالقوة لا تُقاس بعدد الجبهات المفتوحة، بل بالقدرة على تحقيق الأهداف من دون استنزاف دائم، ولا يُقاس النفوذ بمدى إثارة الأزمات، بل بمدى القدرة على التحكم بنتائجها.

لا سيادة فوقها سلاح، ولا أمن رهينةً للنفوذ

لم يعد أمام دول المنطقة ترف الاكتفاء بالإدانات أو التعامل مع كل تهديد باعتباره حادثة منفصلة. المطلوب استراتيجية واضحة تقوم على ردع الاعتداءات، وحماية المدنيين والممرات الدولية، وتعزيز التعاون الأمني، ومساءلة كل طرف تثبت مسؤوليته بالأدلة والقانون. فالحزم الحقيقي ليس في إطلاق التهديدات، بل في منع تكرارها؛ وليس في توسيع ساحات الصراع، بل في حماية الدول من الانزلاق إليها.

وعلى إيران أن تدرك أن توسيع النفوذ عبر الجماعات المسلحة لا يمنحها حصانةً من المساءلة السياسية، وأن دعم أي تصعيد لا يمكن أن يبقى خارج حسابات المسؤولية متى ثبتت الصلة والأدلة. وعلى الحوثيين أن يواجهوا حقيقة أن مستقبل اليمن لا يمكن أن يُبنى على تهديد جيرانه أو تعريض أمن الملاحة للخطر، بل على دولة مستقرة وقرار وطني مستقل ومصالح شعب لا يجوز اختزالها في حسابات الصراع.

لقد آن أوان الانتقال من إدارة التهديد إلى إنهائه، ومن سياسة الابتزاز إلى معادلة السيادة والمساءلة. فلا أمن الشعوب ورقة تفاوض، ولا الممرات الدولية رهينةً لأي قوة، ولا يمكن لأي مشروع أن يضمن استمراره عبر تصدير الخطر إلى الآخرين.

فالرهان الأخطر ليس أن تمتلك إيران أوراقاً إقليمية؛ بل أن تعتقد أن بإمكانها استخدامها بلا كلفة. وعندما تتحول هذه الأوراق إلى أعباء، يصبح انكشاف الاستراتيجية بداية الحساب، لا نهايته.