طرابلس خارج الفخ السوري: لا مبايعة للشرع ولا تبعية للمحاور... الفيحاء بوصلتها الدولة اللبنانية والعيش المشترك
بقلم هيئة التحرير خاص مراسل نيوز
تتعرض مدينة طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني ومدينة الفقراء والكرامة والتاريخ، لمحاولة جديدة لإعادة رسم صورتها وفق روايات سياسية وإعلامية تسعى إلى وصمها بالتطرف الفصائلي، وتصويرها وكأنها تحولت إلى امتداد للمشهد السوري الجديد، أو ساحة شعبية لمبايعة الرئيس السوري أحمد الشرع.
لكن ما يجري يتجاوز حدود الشائعات العابرة أو الحملات الإعلامية التقليدية. فالترويج لمعلومات وصور مشكوك في صحتها، وصولاً إلى تداول صور يُشتبه في أنها مفبركة باستخدام الذكاء الاصطناعي لنصب وتماثيل تذكارية، يطرح علامات استفهام جدية حول الجهات المستفيدة من تشويه صورة طرابلس، ومحاولات زجّها في صراعات إقليمية لا تريدها ولا تحتمل أعباءها.
طرابلس ليست ورقة في جيب أحد، ولا ساحة لتصفية حسابات المحاور.
ذاكرة لا تنسى... وتاريخ لا يمكن تزويره
من يحاول اختصار علاقة طرابلس بسوريا في مشهد سياسي آني، يتجاهل عمداً تاريخاً طويلاً من الألم والدم والمعاناة.
فالمدينة التي عانت من حقبة الوصاية والوجود العسكري السوري، وما ارتبط بها من انتهاكات واعتقالات ومآسٍ، لا يمكن التعامل معها وكأن ذاكرتها الجماعية قد مُحيت، أو كأنها مستعدة لاستبدال تبعية بأخرى.
من مجزرة التبانة عام 1986 إلى تفجيري مسجدي التقوى والسلام عام 2013، تحمل طرابلس جراحاً عميقة في ذاكرتها، وتدرك جيداً أن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى على الشعارات، ولا تُختزل في الولاءات السياسية، بل تقوم على احترام السيادة والكرامة والمصالح المشتركة.
ومن هنا، تبرز المفارقة في مواقف بعض الأصوات التي تحاول اليوم تسويق طرابلس باعتبارها امتداداً سياسياً للمشهد السوري الجديد، بعدما ارتبطت، في مراحل سابقة، بخيارات ومواقف استفادت من حقبة النظام السوري السابق.
فهل المطلوب فعلاً فتح صفحة جديدة بين لبنان وسوريا، أم إعادة تدوير النفوذ القديم بأسماء وشعارات جديدة وعلى حساب طرابلس وأهلها؟
لا عداء مع سوريا... ولا مبايعة خارج حدود لبنان
إن موقف طرابلس من سوريا المستقبل لا يحتاج إلى تأويل أو مزايدات.
فالفيحاء لا تعادي الشعب السوري، ولا ترفض قيام علاقات طبيعية وإيجابية مع الدولة السورية الجديدة، لكنها في الوقت نفسه لا تمنح شيكاً على بياض لأي سلطة، ولا تربط مستقبلها السياسي أو الاجتماعي بشخص رئيس أو فريق أو تيار.
سواء كان الرئيس أحمد الشرع على رأس السلطة في دمشق أو جاء من يخلفه مستقبلاً، فإن معيار طرابلس يجب أن يبقى واحداً: علاقة ندية بين دولتين مستقلتين، تقوم على حسن الجوار، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون الاقتصادي والتجاري بما يخدم مصالح الشعبين اللبناني والسوري.
طرابلس تريد حدوداً آمنة، وعلاقات اقتصادية منتجة، وعودة الاستقرار إلى المنطقة، وفرصاً أفضل لشبابها وتجارها وأهلها.
إنها تريد سوريا مستقرة وجارة، لا وصياً سياسياً جديداً عليها.
وهنا يكمن الفارق الكبير بين الانفتاح على سوريا وبين الارتهان لأي مشروع سياسي عابر للحدود.
في لبنان... طرابلس تنحاز إلى الدولة لا إلى الدويلات
أما في الداخل اللبناني، فإن الحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي أن طرابلس لا تبحث عن مشروع سياسي خارج الدولة، ولا عن سلطة موازية لمؤسساتها الشرعية.
إن تمسك المدينة بالدولة اللبنانية، وبالمؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية، يجب أن يكون معيار الحكم على خياراتها الوطنية، بعيداً عن حملات التخوين والتصنيف المذهبي.
فلا يجوز أن تُحاكم طرابلس بالشائعات، فيما تُمنح مدن ومناطق أخرى حق تفسير مواقفها السياسية والأمنية وفق مصالحها الخاصة.
السيادة لا تتجزأ، والدولة لا تكون قوية في منطقة وضعيفة في أخرى، والقانون لا يمكن أن يُطبّق على فئة ويُستثنى منه آخرون.
طرابلس تريد دولة تحمي جميع أبنائها، وتفرض القانون على الجميع، وتضمن العدالة والإنماء المتوازن، وتضع حداً لسنوات التهميش والإهمال التي دفعت المدينة أثمانها باهظة.
المآذن والكنائس... هوية طرابلس التي لن تُمحى
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب في محاولات شيطنة طرابلس هو تجاهل هويتها الحقيقية، تلك الهوية التي لا تختصرها صورة سياسية ولا تختزلها حملة إعلامية.
طرابلس ليست مدينة بلون واحد، ولا مجتمعاً مغلقاً على نفسه. إنها مدينة التاريخ والتنوع والعيش المشترك، حيث تتجاور المآذن مع أجراس الكنائس، وتلتقي أحياء المدينة على ذاكرة مشتركة وروابط إنسانية واجتماعية عميقة.
من المدينة القديمة إلى الميناء والزاهرية والتبانة والقبة، ومن أسواقها التاريخية إلى أحيائها الشعبية، تبقى الفيحاء نموذجاً لهوية لبنانية متجذرة، لا تحتاج إلى شهادة حسن سلوك من أحد.
وإن كان لطرابلس أن تتبنى مشروعاً سياسياً، فهو مشروع الدولة العادلة، والمواطنة المتساوية، والاستقرار، والإنماء، وصون كرامة الإنسان.
الرسالة إلى المتربصين: لن تنجحوا في اختطاف هوية الفيحاء
كفى استثماراً في مخاوف الناس، وكفى محاولات لإلباس طرابلس ثوباً فصائلياً لا يشبه تاريخها ولا يعكس تطلعات أهلها.
فالمدينة ليست منصة لمبايعة رئيس خارج الحدود، وليست صندوق بريد للمحاور الإقليمية، وليست ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية.
طرابلس تريد علاقات جيدة مع سوريا، لكنها لا تريد تبعية لها. وتتمسك بعروبتها، لكنها لا تتخلى عن لبنانيتها. وتؤمن بالانفتاح، لكنها ترفض أن يتحول الانفتاح إلى وصاية جديدة.
الخلاصة أن طرابلس لا تحتاج إلى أن تختار بين لبنان وسوريا؛ فهي لبنانية الهوية والسيادة، وعربية الانتماء، وتريد علاقات متوازنة مع محيطها، لا ولاءات تتجاوز حدود الدولة.
هذه هي الفيحاء التي يعرفها أهلها، وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من يحاول تشويه صورتها:
طرابلس ليست حاضنة للمحاور، ولا رهينة للرؤساء، ولا ساحة للمشاريع العابرة للحدود... طرابلس بوصلتها بيروت، ومرجعيتها الدولة اللبنانية، وهويتها العيش المشترك.