ترامب والعالم: حين تتحوّل القوة إلى مصدر قلق
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
ليست خطورة دونالد ترامب في القرارات التي يتخذها فحسب، بل في القواعد التي يهزّها، واليقين الذي يبدّده، والنظام الدولي الذي يدفعه إلى حافة إعادة التشكل.
في السياسة، لا تُقاس قوة القائد بقدرته على فرض إرادته، بل بقدرته على تحويل القوة إلى استقرار. وهنا تكمن المعضلة الترامبية: رئيس يمتلك أدوات النفوذ الأميركي الهائلة، لكنه يثير، في الوقت نفسه، أسئلة متزايدة حول حدود القوة، وثمن استخدامها، ومآلاتها.
ترامب لا يتعامل مع العالم بوصفه منظومة مصالح متشابكة بقدر ما يتعامل معه كساحة صفقات؛ رابح وخاسر، ضغط وتنازل، تهديد ومقابل. لكن الدول ليست شركات، والأزمات الدولية ليست مزادات، والسلام ليس اتفاقًا يمكن ضمانه بمجرد إعلان سياسي.
لمفارقة أن واشنطن، التي قادت لعقود نظامًا دوليًا قائمًا على التحالفات والمؤسسات، تبدو في ظل هذا النهج وكأنها تختبر قيمة تلك التحالفات من جديد، وتدفع حلفاءها إلى التساؤل: هل تظل المظلة الأميركية ضمانة استراتيجية، أم تتحول إلى ورقة تفاوض قابلة للمساومة؟
ي الشرق الأوسط، حيث تتداخل الحروب مع حسابات الردع والطاقة وموازين النفوذ، لا يكفي أن تُعلن واشنطن انتصارًا أو تفرض هدنة. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت قادرة على إنتاج تسوية قابلة للحياة، لا تأجيل الانفجار إلى موعد آخر. فإدارة الصراع ليست هي حلّه، وامتلاك القدرة على التصعيد لا يعني امتلاك مفاتيح النهاية.
أما الخطر الأعمق، فلا يكمن في قرار منفرد، بل في تآكل الثقة، حين تصبح السياسة الخارجية رهينة التقلب، وتتحول التهديدات إلى بديل عن الاستراتيجية، والضجيج إلى بديل عن النتائج.
التاريخ لا يحاكم القادة بما أعلنوه، بل بما تركوه وراءهم. والسؤال الذي سيواجه التجربة الترامبية ليس ما إذا كانت قد أربكت خصوم أميركا، بل ما إذا كانت قد عززت مكانة أميركا نفسها، أم استهلكت من رصيدها الاستراتيجي أكثر مما حققت من مكاسب.
فالقوة التي لا تنتج نظامًا أكثر استقرارًا قد تنتصر في جولة، لكنها تخسر المعركة الأهم: معركة الثقة.
وهذه، في نهاية المطاف، هي المفارقة الكبرى: أن تكون الدولة الأقوى في العالم، ثم تجد نفسها مضطرة إلى إثبات قوتها في كل يوم، لأن الآخرين لم يعودوا واثقين من ثباتها غدًا.