ما وراء عروش السلطة: الدولة العميقة التي لا ترحل برحيل الحكّام

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

ما وراء عروش السلطة: الدولة العميقة التي لا ترحل برحيل الحكّام

ليست أخطر القوى في العالم تلك التي تظهر أمام الكاميرات، ولا تلك التي تخطب في البرلمانات وتخوض الانتخابات؛ بل تلك التي تواصل رسم اتجاهات الدول بصمت، حتى عندما تتبدّل الحكومات وتسقط الزعامات. هنا تحديداً يبدأ الحديث عن الدولة العميقة.

قد يخسر رئيس انتخابات، وقد يتراجع حزب، وقد يغادر رئيس حكومة مكتبه تحت ضغط الشارع أو صناديق الاقتراع، لكن هل يعني ذلك أن السياسة التي حكمت المرحلة السابقة قد انتهت؟ ليس بالضرورة. فالدول الكبرى لا تُدار فقط بإرادة الأشخاص، بل أيضاً بشبكات مؤسسات ومصالح وأجهزة وخبرات متراكمة، تتجاوز عمر الحكومات والولايات الانتخابي

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا تتوقف السياسة الخارجية عند حدود التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين. فهناك مؤسسات أمنية وعسكرية واستخباراتية، ومصالح اقتصادية واستراتيجية، وتحالفات دولية، ومراكز تأثير تصنع معاً بيئة القرار الأميركي. قد يختلف الرؤساء في الأسلوب والخطاب والأولويات، لكن مساحة التغيير تصطدم أحياناً بثوابت أعمق من إرادة الرئيس نفسه.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تقرأ منها المنطقة تحوّلات واشنطن وتل أبيب: تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير الحسابات.

فإذا تراجع نفوذ رئيس أميركي أو واجه حزبه انتكاسة انتخابية، لا يعني ذلك تلقائياً أن الالتزامات الاستراتيجية الأميركية ستتبدّل. وإذا تغيّرت القيادة الإسرائيلية، فليس مضموناً أن تتغيّر النظرة الأمنية إلى لبنان أو إلى حزب الله. قد تتبدّل الوسائل، وتتغيّر الأولويات، ويعاد تقدير الكلفة والتوقيت، لكن جوهر الصراع قد يبقى قائماً.

ومن هنا تكمن خطورة الرهان على التحوّلات الانتخابية وحدها. فلبنان، على وجه الخصوص، لا يستطيع افتراض أن أي تفاهم أميركي ـ إيراني محتمل سيؤدي حكماً إلى تهدئة جبهته، أو أن تبدّل الإدارة في واشنطن سيعيد رسم قواعد الاشتباك مع إسرائيل. فالمسارات قد تتقاطع، لكنها ليست بالضرورة متطابقة.

لكن من الخطأ أيضاً التعامل مع  الدولة العميقة  باعتبارها عقلاً واحداً لا يخطئ ولا يتغيّر. داخل المؤسسات نفسها صراعات وتباينات ومصالح متعارضة، كما أن الانتخابات والضغوط الشعبية والاقتصادية قادرة على تعديل السياسات، وإن لم تكن دائماً قادرة على قلبها رأساً على عقب.

الخلاصة الاستراتيجية أن من يراهن على سقوط شخص ليعلن نهاية مرحلة، قد يكون قد أخطأ قراءة طبيعة النظام الذي أنتج تلك المرحلة. فالمعركة الحقيقية ليست دائماً بين رئيس وخصومه، بل بين إرادة التغيير من جهة، وبنية المصالح والمؤسسات والتحالفات من جهة أخرى.

العالم لا تحكمه الوجوه وحدها؛ وما يتغيّر أمام الكاميرات ليس دائماً ما يتغيّر خلف أبواب القرار. وفي السياسة الدولية، قد يرحل الحاكم، فيما تبقى الاستراتيجية تبحث عن حاكم جديد.