رفيق الحريري ليس مناسبة موسمية: أين كنتم حين تُرك الشارع السني وحيداً؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
غريبٌ أمر بعض ورثة السياسة في لبنان؛ يغيبون عن ساحات المواجهة السياسية سنوات، ثم يعودون إلى الواجهة عبر استحضار إرث رجلٍ لم يكن حضوره مجرّد اسم أو ذكرى، بل مشروعاً سياسياً واقتصادياً ارتبط بالدولة وإعادة الإعمار والانفتاح العربي.
في ذكرى ميلاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، اجتمع سياسيون وشخصيات في «بيت الوسط»، في مشهد أعاد طرح سؤال لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام محاولة لإحياء إرث سياسي وطني، أم أمام استعادة رمزية لمرحلة لم يعد ممثلوها قادرين على استعادة حضورها الشعبي؟
السؤال موجّه إلى الرئيس سعد الحريري، وعمته بهية الحريري، والأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري، وكل من يتولى مسؤولية هذا الإرث: أين كانت هذه الحماسة حين كان الشارع السني يشعر بأنه متروك، وحين كانت قواعد التيار تنتظر موقفاً سياسياً واضحاً يعيد إليها الثقة والأمل؟
ليس المطلوب التشكيك في حق أحد بإحياء ذكرى والده أو استحضار مسيرته، بل الاعتراض على اختزال مشروع سياسي بحجم تجربة رفيق الحريري في مناسبات رمزية، فيما تبقى الأسئلة الأساسية معلّقة: أين المشروع؟ أين التنظيم؟ وأين الرؤية القادرة على استعادة ثقة الناس؟
رفيق الحريري لم يصنع حضوره بالذكريات وحدها، بل بالعمل والمبادرات والعلاقات العربية والدولية. ولذلك، فإن استحضار اسمه يفرض مسؤولية مضاعفة على من يرفعون رايته، لا امتيازاً سياسياً دائماً يمنحهم حق تمثيل جمهوره من دون تجديد الثقة الشعبية.
أما المملكة العربية السعودية، التي ارتبط اسمها بمحطات مفصلية من تاريخ لبنان واتفاق الطائف، فلا يمكن اختزال علاقتها بلبنان في انتظار عودة هذا الاسم أو ذاك. فالعبرة ليست بمن يرفع شعار العلاقة مع الرياض، بل بمن يمتلك مشروعاً وطنياً واضحاً، ويحترم مصالح لبنان وعلاقاته العربية، ويستطيع ترجمة هذه المبادئ إلى واقع سياسي.
والأخطر أن يتحول إرث رفيق الحريري إلى مساحة للتنافس على النفوذ والمواقع، بدلاً من أن يكون منطلقاً لمراجعة جدية للأخطاء والخيارات التي أوصلت الحريرية السياسية إلى مرحلة الانكفاء. وأي حديث عن الصفقات والمصالح الشخصية يجب أن يُحسم بالوقائع والأدلة، لا بالشعارات أو الاتهامات المتبادلة.
الحقيقة التي لا يجوز الهروب منها هي أن الشارع السني ليس ملكاً لأحد، وأن إرث رفيق الحريري لا يُورَّث سياسياً بالتلقائية، بل تُجدَّد شرعيته بثقة الناس والعمل من أجلهم.
فمن يريد استعادة الحريرية، عليه أن يستعيد أولاً ثقة جمهورها، وأن يجيب بوضوح عن أسباب الغياب، وأن يقدّم مشروعاً يتجاوز الصور والاحتفالات.
أما الذكرى، مهما كانت مؤثرة، فلا تستطيع وحدها أن تعيد بناء ما هدمه الانكفاء السياسي.
رفيق الحريري أكبر من أن يُختصر بذكرى ميلاده، والشارع أكبر من أن يُستدعى عند الحاجة ثم يُترك لمصيره.