متفجرات ضهر البيدر: الاختبار الأخطر للدولة اللبنانية… هل يواجه القضاء «حزب الله» بلا خطوط حمراء؟

بقلم ه‍ئية التحرير خاص مراسل نيوز

متفجرات ضهر البيدر: الاختبار الأخطر للدولة اللبنانية… هل يواجه القضاء «حزب الله» بلا خطوط حمراء؟

ليست شحنة المتفجرات التي ضُبطت على حاجز ضهر البيدر مجرد قضية أمنية عابرة، ولا يجوز التعامل معها كحادث ينتهي بتوقيف ناقلين وإقفال محضر. إنها قضية تمسّ أمن اللبنانيين وهيبة الدولة، وتضع القضاء أمام اختبار بالغ الخطورة: هل يصل التحقيق إلى الحقيقة كاملة، مهما كان حجم النفوذ السياسي أو الأمني للأطراف التي قد يثبت تورطها؟

إن خطورة القضية تكمن في طبيعة المتفجرات المضبوطة، وفي الأسئلة التي تفرضها بشأن مصدرها، والجهة التي كانت ستتسلمها، والغاية من نقلها، وما إذا كانت وراء العملية شبكة منظمة أو مخطط أوسع. وهذه أسئلة لا تحتمل التمييع أو التسويات، بل تستوجب تحقيقاً جنائياً وأمنياً شاملاً، يستند إلى الأدلة والوقائع، لا إلى الحسابات السياسية.

إذا أثبت التحقيق وجود صلة تنظيمية بين الشحنة و«حزب الله»، فإن المطلوب ألا يتوقف عند الأشخاص الذين تولّوا النقل، بل أن يمتد إلى كل من يثبت أنه خطط أو أمر أو موّل أو شارك في العملية، وصولاً إلى القيادات التي تثبت الأدلة مسؤوليتها. فلا يجوز أن تتحول القيادة السياسية أو العسكرية لأي تنظيم إلى حصانة تحجب الحقيقة، كما لا يجوز أن يصبح النفوذ المسلح حاجزاً أمام العدالة.

هنا تبدأ مسؤولية الدولة، وهنا يُمتحن القضاء. فالدولة التي تكتفي بضبط المتفجرات ولا تكشف شبكتها تكون قد عالجت النتيجة وتركت أسباب الخطر قائمة. والقضاء الذي يتوقف عند المنفذين، إن ثبت وجود مخطط أوسع، من دون ملاحقة من تثبت مسؤوليتهم، لن يكون قد أنجز المهمة التي ينتظرها اللبنانيون منه.

إننا أمام فرصة حقيقية لإثبات أن القانون في لبنان ليس قوياً على الضعفاء ومتردداً أمام أصحاب النفوذ. المطلوب من النيابة العامة التمييزية والقضاء المختص والأجهزة الأمنية متابعة الملف حتى نهايته، وتحديد المسؤوليات بدقة، وكشف مصادر المتفجرات ومسارها والجهات المرتبطة بها، وإحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى المحاكمة وفق الأصول القانونية، بعيداً عن أي تدخل أو ضغط أو تسوية.

وعلى الدولة اللبنانية، برئاسة العماد جوزاف عون، والحكومة برئاسة الدكتور نواف سلام، توفير الغطاء الكامل للقضاء والأجهزة الأمنية، وعدم السماح لأي جهة بتعطيل التحقيق أو الالتفاف على نتائجه. إن الحزم المطلوب ليس خطاباً مرتفع النبرة، بل قرار مؤسساتي واضح: حماية المحققين، وصون استقلال القضاء، وتنفيذ الإجراءات القانونية بحق كل مشتبه به وفق الأدلة، من دون استثناء أو تمييز.

لقد دفع لبنان أثماناً باهظة من الاغتيالات السياسية والتفجيرات والترهيب، ولا يجوز أن تتكرر دائرة الشكوك والإفلات من العقاب. لكن العدالة الحقيقية لا تقوم على إطلاق الاتهامات جزافاً، بل على كشف الحقيقة وإثبات المسؤوليات ومحاسبة المرتكبين. وهذا تحديداً ما يجعل التحقيق في هذه القضية ضرورة وطنية، لا مجرد إجراء أمني.

أما القضية الأعمق، فهي قضية السلاح والقرار الأمني. فلا يمكن بناء دولة مكتملة السيادة إذا وُجدت قوة مسلحة خارج سلطتها تمتلك قراراً مستقلاً عن مؤسساتها. ومن هنا، فإن أي أدلة تثبت استخدام بنية عسكرية أو أمنية غير شرعية في هذه القضية يجب أن تفتح الباب أمام تطبيق القانون، ومحاسبة المتورطين، وتعزيز حصرية السلاح بيد الدولة ضمن مسار واضح وحازم.

على الدولة أن تضرب بيد القانون من حديد، لا بيد الانتقام؛ وأن تواجه النفوذ بالأدلة، لا بالشعارات؛ وأن تثبت أن لا حصانة فوق العدالة. فالقوة الحقيقية ليست في التهديد، بل في القدرة على توقيف المشتبه بهم وفق القانون، وملاحقة كل من تثبت مسؤوليته، وتنفيذ الأحكام القضائية بلا انتقائية.

إن ضبط الشحنة قد يكون بداية القضية، لكنه لا ينبغي أن يكون نهايتها. المطلوب معرفة من أين جاءت المتفجرات، ومن أمر بنقلها، ولأي غرض، ومن يقف وراء العملية إن ثبت وجود شبكة منظمة. وكل نتيجة يجب أن تُعلن للرأي العام بالقدر الذي يسمح به القانون ويحفظ سلامة التحقيق.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى بيان جديد يضاف إلى أرشيف المواقف، بل إلى دولة تفرض سلطتها، وقضاء لا يخضع للضغوط، وأجهزة أمنية تحظى بالحماية السياسية والمؤسساتية اللازمة لأداء واجبها.

فإما أن تصل العدالة إلى الحقيقة كاملة، أياً تكن الأسماء والمواقع، وإما أن يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الدولة على حماية مواطنيها. لا سيادة مع الإفلات من العقاب، ولا دولة قوية مع خطوط حمراء أمام القضاء، ولا أمان للبنانيين ما لم يكن القانون فوق الجميع.