لبنان لا يحتاج إلى تغيير الوزراء… بل إلى تغيير طريقة الحكم

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

لبنان لا يحتاج إلى تغيير الوزراء… بل إلى تغيير طريقة الحكم

لبنان لا يواجه اليوم أزمة واحدة، بل لحظة تتقاطع فيها الأمن والسياسة والاقتصاد والمجتمع في نقطة واحدة. والخطر الحقيقي ليس في حجم الأزمات فحسب، بل في أن تتحول إدارة الأزمات إلى بديل عن إدارة الدولة.

في الجنوب، تقترب البلاد من استحقاقات حساسة تتصل بالمفاوضات وترتيبات المرحلة المقبلة ودور اليونيفيل. وفي الداخل، تتآكل القدرة الشرائية، ترتفع كلفة المعيشة والطاقة، وتتراكم الضغوط المالية والاجتماعية.

لكن بين المشهدين حقيقة واحدة: لبنان ينتظر الخارج، فيما الداخل لم يعد يحتمل الانتظار.

المشكلة ليست أن الخارج مؤثر؛ فهذا واقع لا يمكن إنكاره. المشكلة أن تتحول هذه الحقيقة إلى ذريعة لتعليق القرار اللبناني.

فلبنان يستطيع، حتى في أكثر الظروف تعقيداً، أن يفعل ما هو متاح له: أن يوحد موقفه الرسمي، أن يعزز قدرة مؤسساته، وأن يمنع الأزمة الاقتصادية من التحول إلى انفجار اجتماعي.

الجنوب: الفراغ أخطر من الانسحاب

انتهاء أو تعديل مهمة اليونيفيل لا ينبغي أن يُقرأ كمسألة إدارية. القضية الأساسية هي: ماذا بعد؟

أي فراغ في المراقبة والاتصال والتوثيق قد يجعل الحوادث الصغيرة قابلة للتحول إلى أزمات كبيرة. لذلك فإن إعادة تفعيل آليات الهدنة، وتعزيز دور الجيش، والحفاظ على قنوات الاتصال الدولية، ليست تفاصيل تقنية؛ إنها أدوات لمنع سوء التقدير والتصعيد.

والأهم أن يمتلك لبنان تصوراً واضحاً للمرحلة المقبلة، بدلاً من انتظار أن تُرسم له من الخارج.

الاقتصاد: القنبلة التي لا يسمعها أحد

قد يكون الخطر الأمني هو الأكثر وضوحاً، لكن الخطر الاجتماعي هو الأكثر قرباً من الناس.

حين ترتفع كلفة المحروقات والمعيشة، وتتراجع القدرة الشرائية، وتتراكم الأعباء، يصبح الشارع قابلاً للاحتقان.

وهنا تبدأ السياسة الخطرة.

فالأزمة الاجتماعية لا تحتاج إلى من يصنعها؛ يكفي أن تُترك بلا معالجة حتى تصبح قابلة للاستثمار السياسي.

ولهذا فإن مواجهة أي محاولة لتوظيف الغضب الشعبي لا تكون بقمع الغضب، بل بمعالجة أسبابه.

الإعفاءات المؤقتة أو رفع سقوف السحوبات أو الإجراءات الاجتماعية العاجلة قد تخفف الضغط، لكنها ليست علاجاً. العلاج هو إصلاح مالي ومصرفي حقيقي، وضبط الإنفاق، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، واستعادة الثقة بالدولة.

الحكومة أمام اختبار لا يحتمل المناورات

تغيير بعض الوزراء قد يحسن الأداء، لكنه لن ينقذ حكومة إذا بقيت آلية القرار غارقة في التعطيل والتجاذب.

المطلوب ليس تغيير الوجوه فقط، بل تغيير طريقة إدارة المرحلة.

لبنان يحتاج إلى حكومة تعرف أولوياتها: الأمن، الاستقرار الاجتماعي، الإصلاح المالي، الطاقة، والجنوب.

أما أن تتحول الملفات الإصلاحية إلى معارك سياسية داخلية، فيما المواطن يدفع الثمن، فذلك ليس إدارة للأزمة؛ بل إعادة إنتاج لها.

الحقيقة التي يجب قولها

لبنان لا يستطيع انتظار التسوية الإقليمية كي يبدأ بإنقاذ نفسه.

نعم، الخارج يضغط ويؤثر. لكن قوة لبنان في مواجهة الخارج تبدأ من الداخل: دولة متماسكة، موقف رسمي واحد، مؤسسات تعمل، واقتصاد لا يترك المواطن وحيداً أمام الانهيار.

ومن هنا يجب الانتقال من إدارة الوقت إلى صناعة الوقت.

أي إعداد خطط مسبقة لثلاثة احتمالات: تهدئة إقليمية، استمرار الوضع القائم، أو تصعيد. لكل احتمال خطة أمنية وسياسية واقتصادية، لا رد فعل مرتجل بعد وقوع الحدث.

المعركة الحقيقية في لبنان ليست فقط على الحدود، بل على قدرة الدولة على البقاء صاحبة قرار في بلد تتزاحم فيه القرارات.

إذا بقي لبنان ينتظر الخارج، ستكبر أزماته في الداخل.

أما إذا استعاد المبادرة، ووحّد مؤسساته، وحمى مجتمعه من الانفجار، فإنه يستطيع تحويل هذه المرحلة من تهديد إلى فرصة لإعادة بناء الدولة.

لبنان لا يحتاج إلى معجزة. يحتاج إلى قرار.

قرار بأن يتوقف عن إدارة الانهيار، ويبدأ بإدارة الدولة.

فالمرحلة المقبلة لن تكون للأكثر قدرة على الانتظار، بل للأكثر قدرة على الاستعداد.

ومن لا يملك خطة قبل العاصفة، سيجد نفسه بعد العاصفة يبحث عن دولة.