جمهورية الطباخين والمحاصصة: هل يمزق صراع النفوذ ما تبقى من الدستور اللبناني؟"
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
ليست المشكلة في لبنان أن اتفاق الطائف مضى عليه أكثر من ثلاثة عقود، بل أن الدولة التي كان يفترض أن يؤسس لها لا تزال أسيرة تسويات لم تكتمل، ونصوص لم تُطبّق، وتوازنات سياسية تعاملت مع الدستور بوصفه مساحة لتقاسم النفوذ، لا مرجعية نهائية لحكم البلاد. وهنا تكمن المفارقة: اتفاق وُلد لإنهاء الحرب لا يزال عاجزاً عن إنهاء منطقها السياسي.
لم يكن الطائف دستوراً مثالياً، ولم يُقدَّم أصلاً بوصفه نهاية التاريخ اللبناني. كان تسوية لإنهاء حرب مدمّرة وفتح الطريق أمام إعادة بناء الدولة. لكن ما حدث لاحقاً كشف أن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة بناء السلام، وأن وقف إطلاق النار بين القوى المتنازعة لا يكفي لإقامة دولة ما دامت أسباب الخلل في السلطة والقرار والسيادة قابلة لإعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.
اليوم، يعود النقاش حول الطائف في لحظة تتجاوز الخلاف على تفسير مادة دستورية أو تعديل صلاحية. السؤال الحقيقي هو: هل يريد اللبنانيون إصلاح نظامهم السياسي، أم أن كل فريق يريد إعادة صياغته بما يضمن حصته في المرحلة المقبلة؟ فحين يتمسك طرف بالنص لأنه يحمي مكاسبه، ويطالب آخر بتعديله لأنه يريد توسيع نفوذه، يصبح الدستور رهينة المصالح، ويغيب المواطن بين حسابات الطوائف ومساومات الزعامات.
وفي هذا السياق، تكتسب دعوة رئيس الحكومة نواف سلام إلى تطبيق اتفاق الطائف كاملاً وتصحيح ما شاب تطبيقه من تشوّهات أهمية خاصة؛ لأنها تعيد النقاش إلى ضرورة احترام الدستور، لكنها تفتح أيضاً باباً لا يمكن تجاهله: هل يكفي تطبيق النصوص لمعالجة أزمات راكمتها عقود من الممارسة السياسية؟ أم أن المطلوب مسار إصلاحي واضح يميّز بين ما يجب تنفيذه فوراً، وما يحتاج إلى تفسير دستوري، وما يستدعي تعديلاً توافقياً وفق الأصول؟
إن اختزال الأزمة في ثنائية «تطبيق الطائف أو تعديله» يترك جوهر المشكلة خارج النقاش. فالتطبيق الانتقائي لا يصنع دولة، والتعديل من دون توافق وطني لا يضمن الاستقرار. والأخطر أن يتحول الحديث عن تطوير النظام إلى سباق لإعادة توزيع النفوذ، بدلاً من أن يكون فرصة لإعادة الاعتبار للمؤسسات، وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، وإنهاء ازدواجية السلطة والقرار.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن الدور الذي أدّته الوصاية السورية في تشويه جوانب من تطبيق الاتفاق، ولا عن الإخفاقات اللبنانية اللاحقة في تنفيذ الإصلاحات وبناء مؤسسات قادرة على العمل بعيداً من التعطيل والمحاصصة. غير أن الاستمرار في استحضار الماضي لا يعفي القوى اللبنانية من مسؤولية الحاضر؛ فالتاريخ يفسّر جانباً من الأزمة، لكنه لا يمنح أحداً حق تحويلها إلى قدر دائم.
أما التحولات الإقليمية والدولية، فتجعل الرهان على تسوية خارجية جديدة أكثر تعقيداً. فلبنان الذي ينتظر دائماً تقاطع مصالح الآخرين كي يحسم خلافاته الداخلية يعرّض مستقبله لمعادلات لا يملك التحكم بها. ومن هنا، لا يبدأ الإصلاح الحقيقي من انتظار اتفاق ترسمه العواصم، بل من إرادة لبنانية تقرر أن استقرار البلاد لا يمكن أن يبقى رهينة توازنات السلاح أو مخاوف الجماعات أو حسابات القوى السياسية.
إن المخرج ليس في تقديس الطائف ولا في هدمه، بل في التعامل معه بوصفه إطاراً دستورياً قابلاً للتطوير وفق القانون والتوافق، لا أداة انتقائية تستخدمها القوى حين تخدم مصالحها وتتجاهلها حين تفرض عليها التزامات. وأي مراجعة جدية يجب أن تبدأ بتحديد ما لم يُنفّذ، وأسباب تعطيله، والضمانات المطلوبة لتنفيذ الإصلاحات، ثم الانتقال إلى ما يحتاج فعلاً إلى تعديل، ضمن حوار وطني لا يفرض فيه فريق إرادته على الآخرين.
لبنان لا يحتاج إلى تسوية جديدة تعيد توزيع الحصص، بل إلى عقد سياسي يعيد الاعتبار للدولة. فالمعيار ليس مَن يربح صلاحية إضافية، ولا مَن يحتفظ بمكسب تاريخي، بل ما إذا كان اللبنانيون سيتمكنون أخيراً من بناء مؤسسات تحكم بالقانون، وتحمي التعدد، وتحتكر السلطة الشرعية، وتمنع تعطيل البلاد كلما اصطدمت مصالح القوى السياسية.
بعد أكثر من ثلاثة عقود على الطائف، لم يعد السؤال كم بقي من الاتفاق، بل كم بقي من الدولة. فالدستور لا تُقاس قيمته بعمره، ولا تُحمى التسويات بتحويلها إلى نصوص مقدسة، وإنما بقدرتها على تحقيق غايتها. وإذا كان الطائف قد أوقف حرباً، فإن مسؤولية اللبنانيين اليوم هي ألّا يسمحوا للخلاف على تفسيره أو تعديله بأن يتحول إلى حرب سياسية مفتوحة تمنع قيام الدولة.
فإما أن يصبح الطائف مدخلاً إلى دولة مكتملة السيادة والمؤسسات، وإما أن يبقى عنواناً لتسوية دائمة تؤجّل الأزمة من مرحلة إلى أخرى. وفي الحالتين، لن يحسم المستقبلَ نصٌّ وحده؛ بل إرادة سياسية تقبل أخيراً بأن الدولة ليست حصة لأحد، وأن الدستور ليس ملكاً لفريق، وأن لبنان لا يستطيع أن يستمر دولةً بالتوافق على تعطيلها.