متفجّرات حزب الله: هل تغيّر المشهد الأمني في لبنان، أم انكشف ما هو أعمق؟

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

متفجّرات حزب الله: هل تغيّر المشهد الأمني في لبنان، أم انكشف ما هو أعمق؟

حين تتحوّل المتفجّرات إلى سؤال عن الدولة، وحين يصبح انتظار الخارج بديلاً عن بناء الاستراتيجية الوطنية

ليست خطورة العثور على متفجّرات من نوع «C4» في منطقة ظهر البيدر، إذا تأكّد الخبر وثبتت تفاصيله رسمياً، محصورة في طبيعة المادة المكتشفة أو المكان الذي وُجدت فيه. الخطورة الحقيقية تبدأ من الأسئلة التي يفتحها هذا الحدث: لمن تعود هذه المتفجّرات؟ ما الغاية من وجودها؟ هل نحن أمام واقعة أمنية معزولة، أم أمام مؤشرات تستدعي إعادة تقييم المشهد اللبناني برمّته؟

في بلدٍ خبر الاغتيالات السياسية ودفع أثماناً باهظة من أمنه واستقراره، لا يجوز التعامل مع أي إشارة أمنية باستخفاف. لكن لا يجوز، في المقابل، تحويل الشكوك إلى حقائق، أو استثمار الخوف الشعبي لإصدار أحكام تسبق التحقيق. فالدولة القوية لا تتجاهل المؤشرات، ولا تستسلم للشائعات؛ بل تضع الوقائع أمام القضاء والأجهزة المختصة، وتعلن ما تستطيع إثباته، وتحاسب كل من تثبت مسؤوليته، أياً يكن موقعه أو انتماؤه.

إنّ السؤال الاستراتيجي الأعمق الذي يواجه لبنان لا يتعلق بواقعة أمنية منفردة فحسب، بل بطبيعة النظام الأمني والسياسي الذي نشأ في ظل وجود قوة مسلّحة تملك قراراً وقدرات تتجاوز، في جوانب أساسية، منظومة الدولة التقليدية.

وهنا يبرز حزب الله بوصفه طرفاً مركزياً في معادلة القوة اللبنانية، لا يمكن تحليل الاستقرار الوطني من دون التوقف عند دوره، وسلاحه، وعلاقته بمؤسسات الدولة، وحدود القرار الوطني المستقل في الحرب والسلم.

المشكلة الجوهرية ليست في إطلاق الأحكام على النيات، بل في سؤال السيادة: من يملك القرار الأمني النهائي؟ من يحدّد متى يدخل لبنان في مواجهة، ومتى يتجنبها؟ ومن يتحمّل مسؤولية النتائج عندما تصبح البلاد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟

إنّ وجود قوة مسلّحة ذات نفوذ سياسي وعسكري واسع خارج الاحتكار الكامل للدولة لقرار القوة يخلق معضلة بنيوية: قد تعتبر هذه القوة أن قدراتها تحمي البلاد، فيما يرى خصومها أن ازدواجية السلاح والقرار تُضعف المؤسسات، وتُبقي لبنان عرضة لمخاطر لا يملك جميع مواطنيه قرارها. وبين الرؤيتين، تبقى الدولة اللبنانية مطالبة بإجابة عملية، لا بشعارات متقابلة.

وهذا هو جوهر النقاش مع حزب الله: ليس المطلوب إثبات اتهام غير موثّق، بل إخضاع كل قوة مسلّحة، وكل قرار ذي تبعات وطنية، لمعيار واحد هو المصلحة اللبنانية، والمساءلة، والمرجعية الدستورية.

تاريخ الاغتيالات السياسية في لبنان جعل المجتمع أكثر حساسية تجاه أي تطور أمني، وهذه الحساسية مفهومة. لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود مخطط جديد، كما أن استحضار محطات الماضي لا يعفي من ضرورة تقديم الأدلة في الحاضر.

إذا كانت هناك تحذيرات من عمليات اغتيال محتملة، فالمطلوب تحديد مصدرها ومدى موثوقيتها، والتحقق من طبيعتها، واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة. أما ربط أي متفجّرات مكتشفة بجهة محددة أو بخطة اغتيال بعينها، من دون نتائج تحقيق معلنة وأدلة قابلة للفحص، فيحوّل التحليل السياسي إلى اتهام، ويُضعف القضية التي يفترض أن يدافع عنها.

الحقيقة لا تخدم فريقاً سياسياً على حساب آخر؛ إنها تحمي المجتمع بأكمله. ومن هنا، فإن كشف ملابسات أي حادثة أمنية يجب أن يكون أولوية وطنية، لا مادة للمزايدة أو وسيلة لتثبيت رواية مسبقة.

ومن الخطأ الاستراتيجي أن يبني اللبنانيون أمنهم على افتراض أن الولايات المتحدة ستتدخل دائماً، أو أنها ستضع استقرار لبنان فوق مصالحها الإقليمية وحساباتها الداخلية. فالدول تتحرك وفق تقدير مصالحها، وتوازن بين التزاماتها وأولوياتها، وقد تتغير سياساتها بتغيّر الظروف.

لكن استخلاص أن الخارج لا يمكن الاعتماد عليه بصورة مطلقة لا يعني القفز إلى استنتاج أن التدخل الخارجي مستحيل، بل يعني أن السياسة الرشيدة لا تجعل أمن البلاد رهينة قرار عاصمة أخرى.

لا واشنطن تستطيع أن تحلّ محل الدولة اللبنانية، ولا أي قوة إقليمية تستطيع أن تمنح لبنان استقراراً دائماً إذا ظل قراره الداخلي منقسماً. إنّ التعويل المفرط على الخارج، أياً كان، قد يؤجل مواجهة المشكلة، لكنه لا يعالج أسبابها.

تكشف الأزمات الأمنية المتكررة ضعفاً أعمق حين لا تجد الدولة نفسها قادرة على توحيد رؤيتها بشأن السلاح، والحرب والسلم، والعلاقات الخارجية، وحماية الشخصيات المهددة، ومحاسبة المسؤولين عن أي خرق أمني.

هنا لا يعود السؤال: هل تغيّر الوضع الأمني فعلاً؟ بل يصبح: هل يمتلك لبنان منظومة قادرة على اكتشاف التهديدات، والتحقق منها، واحتوائها، ومنع استغلالها سياسياً؟

إنّ الدولة التي تفتقر إلى استراتيجية أمنية وطنية واضحة تظل عرضة لثلاثة أخطار متداخلة: تهديدات فعلية قد تفاجئها، وشائعات قد تربك مجتمعها، وصراعات سياسية قد تمنعها من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

ومن هذا المنطلق، فإنّ معالجة قضية المتفجّرات ــ إذا ثبتت تفاصيلها ــ لا ينبغي أن تنتهي ببيان أمني أو بتبادل الاتهامات. المطلوب تحقيق شفاف، وتحديد للمسؤوليات، وتقييم جدي للثغرات، وضمان ألا تتحول المناطق اللبنانية إلى مساحات غامضة لا تعرف الدولة فيها مَن يخزّن ماذا، ولأي غرض، وبأي غطاء.

إنّ الحقيقة التي ينبغي أن يواجهها لبنان بجرأة هي أن الاستقرار لا يُبنى بالخوف، ولا بالتخوين، ولا بانتظار ضمانات الخارج. يُبنى بدولة تمتلك سلطة فعلية، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وقراراً أمنياً وطنياً واضحاً، وقضاءً قادراً على الوصول إلى الحقيقة من دون حماية سياسية أو استثناءات.

أما حزب الله، باعتباره قوة سياسية وعسكرية مؤثرة في البلاد، فلا يمكن إعفاؤه من النقاش الوطني حول مستقبل السلاح، وحدود القرار المستقل، وكلفة الخيارات الاستراتيجية على اللبنانيين. لكن النقد الجدي لدوره لا يحتاج إلى اتهامه بما لم يثبت؛ بل يحتاج إلى مساءلة سياسية واضحة عن نتائج النموذج القائم، وعن مدى انسجامه مع قيام دولة واحدة صاحبة القرار السيادي.

فإذا ثبت أن المتفجّرات المكتشفة ترتبط بجهة أو بمخطط محدد، وجب إعلان الأدلة ومحاسبة المسؤولين. وإذا لم تثبت هذه الصلة، وجب الامتناع عن تحويل الاشتباه إلى إدانة. وفي الحالتين، يبقى التحدي الأساسي واحداً: ألا يُترك أمن لبنان رهينة الغموض، أو تعدّد مراكز القوة، أو الحسابات الإقليمية.

المعيار الحقيقي ليس مَن يرفع شعار حماية لبنان، بل مَن يقبل بأن تكون حمايته تحت سلطة دولة واحدة، وقرار واحد، وقانون يسري على الجميع.

ذلك هو الاختبار الذي ينبغي أن تخضع له كل القوى اللبنانية، وفي مقدمتها حزب الله: هل تسهم في بناء دولة تحتكر قرار الحرب والسلم، أم يستمر لبنان في دفع ثمن التناقض بين منطق الدولة ومنطق القوة؟