حين تُستهدف المقدسات.. من الإدانة إلى الردع، هل يتحمّل العالم مسؤولياته؟
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
إن استهداف الأماكن المقدسة ليس قضية دينية تخص أتباع عقيدة بعينها، ولا شأناً سيادياً يقتصر على الدولة التي تقع هذه الأماكن على أراضيها؛ بل هو اختبار للقانون الدولي، ولمسؤولية المجتمع الدولي عن حماية الرموز التي تشكّل جزءاً من الوجدان الإنساني المشترك.
إن التهديدات التي تطال مكة المكرمة والمدينة المنورة تستوجب موقفاً يتجاوز بيانات الإدانة والاستنكار، نحو تحرك سياسي ودبلوماسي وقانوني منظم، يضع حماية المقدسات في صدارة الأولويات، ويمنع تحويلها إلى أوراق ضغط في صراعات النفوذ الإقليمي.
المطلوب ليس موقفاً إسلامياً فحسب، بل جبهة مسؤولية تضم الدول العربية والإسلامية، والمؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية، والأمم المتحدة، والقوى الدولية المؤثرة. فحماية المقدسات لا ينبغي أن تخضع للاصطفافات السياسية، ولا أن تتبدل أهميتها تبعاً لهوية المعتدي أو حسابات المصالح الدولية.
لكن المواقف الأخلاقية، مهما كانت واضحة، تفقد جانباً من قيمتها إذا لم تُترجم إلى خطوات عملية. المطلوب بناء آلية تحرك دولية تتضمن التحقق المستقل من الوقائع، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة المتورطين وفق القانون الدولي، وتعزيز إجراءات الردع والحماية، مع إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة لمنع اتساع الصراع.
وفي هذا السياق، لا يجوز الخلط بين الدعوة إلى التهدئة والتنازل عن الحق في الحماية والمساءلة؛ فالسلام الحقيقي لا يقوم على تجاهل الاعتداءات، كما أن الردع المسؤول لا يعني الانزلاق إلى حرب مفتوحة، بل منع تكرار الاعتداء قبل أن يتحول إلى مواجهة إقليمية أوسع.
إن خطورة المرحلة تكمن في احتمال تطبيع استهداف المقدسات ضمن حروب الصواريخ والمسيّرات وتصفية الحسابات الإقليمية. وإذا تُركت هذه المعادلة بلا ضوابط، فلن تكون المقدسات وحدها أمام الخطر، بل ستتضرر فرص الاستقرار، وستتسع دائرة انعدام الثقة بين الشعوب والدول.
المطلوب اليوم ليس إجماعاً على بيانات أشدّ لهجة، بل توافق على إجراءات أكثر فاعلية. توافقٌ يجعل حرمة المقدسات مبدأً ثابتاً، والمساءلة قاعدةً لا انتقائية فيها، وحماية المدنيين التزاماً لا يخضع للمساومات السياسية.
فمكة والمدينة ليستا مجرد عنوان في سجال إقليمي، بل مكانتان دينيتان عظيمتان لدى المسلمين، وحمايتهما من الاعتداء مسؤولية تقتضي موقفاً واضحاً من كل من يؤمن بحرمة دور العبادة وضرورة صون التراث الديني والإنساني.
حين تُستهدف المقدسات، لا يكون السؤال الحقيقي كم بياناً سنصدر، بل أي نظام من الردع والمساءلة سنبني كي لا يتكرر الاعتداء. هنا تحديداً يُقاس صدق المواقف، وتُختبر جدية الدول، وتظهر قدرة المجتمع الدولي على تحويل المبادئ من كلمات معلنة إلى حماية فعلية.