زلزال الفيحاء اللوجستي: الرئيس عون يكسر "عقود التهميش" ويسلّم طرابلس مفاتيح الممر الاقتصادي العالمي بين الهند وأوروبا
بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري
لم تكن المقاييس والبروتوكولات يوماً كافية لتفسير حركة التاريخ، لكن إطلاق صافرة البداية من أرض "الفيحاء" يفسر كل شيء. في اللحظة التي وطئت فيها قدما رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أرض طرابلس اليوم، كُسرت جغرافيا الحرمان التي حاصرت المدينة طوال 14 عاماً من الغياب الرسمي الممنهج هذه الزيارة الاستثنائية لم تكن جولة تفقدية لالتقاط الصور أو لتوزيع وعود إنمائية مؤجلة؛ بل جاءت بمثابة إعلان سياسي وسيادي صارم يعيد رسم التوازنات اللوجستية والاقتصادية اللبنانية انطلاقاً من عاصمة الشمال، وبوابة النفاذ الكبرى نحو العالم
الحدث الذي يهز الرأي العام ويقلب حسابات المراهنين، ليس فقط حضور رأس الهرم الدستوري إلى السرايا وقصر العدل والمرافق الحيوية ، بل هو التوقيت الجيوسياسي القاتل. فالرئيس عون لم يأتِ طرابلس حاملاً "مسكنات"، بل جاء مباركاً ومثبّتاً لإنجاز دولي غير مسبوق: انضمام مرفأ طرابلس رسمياً إلى "نادي موانئ الممر الاقتصادي العالمي" الممتد من الهند والشرق الأوسط وصولاً إلى قلب أوروبا (IMEC) ومن رصيف المرفأ، وجّه الرئيس رسالة صريحة بأن الدولة اللبنانية تلقفت هذه الفرصة التاريخية، وأن تحويل طرابلس إلى مركز حيوي واقتصادي للمنطقة برمتها أصبح أولوية وطنية فوق كل اعتبار سياسي ضيق
بفضل هذا الحضور الرئاسي، تكتسب مشاريع الشمال طاقة دفع وحصانة سيادية غير مسبوقة. فلم يعد الحديث عن إعادة تأهيل خط سكة الحديد بين طرابلس وحمص مجرد فكرة تجارية بل تحول بـ"الأمر الرئاسي" إلى ركيزة لربط هذا الممر البحري العالمي بعمقه البري الإقليمي نحو العراق والخليج صعوداً إلى تركيا وأوروبا. لقد باتت خطوط الحديد والمرفأ، وجوارهما من المنطقة الاقتصادية الخاصة و"مصفاة طرابلس" النابضة بمشاريع الطاقة، تشكل مجتمعة "المنظومة الرباعية الشاملة" التي ستقود ماكينة الاقتصاد اللبناني وتنشله من قاع أزماته
أهمية هذه الزيارة تكمن في الجواب المباشر على التساؤل: كيف استفادت طرابلس عملياً؟
الاستفادة الكبرى تبدأ من سقوط حواجز "الشك" واستعادة "الثقة" بالدولة فالمدينة التي صُنفت طويلاً في التقارير الدولية كخاصرة رخوة، نالت اليوم "صك الحصانة والشرعية المطلقة" من أعلى سلطة في البلاد. أطلق الرئيس عون من طرابلس معادلته الذهبية: "لا إنماء من دون أمن، وكرامة الإنسان تقتضي تأمين الخدمات لجميع المواطنين" . هذا الغطاء الرئاسي تُرجم فوراً عبر تحريك الملفات المجمدة، ودفع الهيئات الاستثمارية العربية والدولية للتعامل مع طرابلس كمنطقة آمنة، مستقرة، ومفتوحة رسمياً للاستثمارات الضخمة التي ستوفر آلاف فرص العمل للشباب الشمالي
لقد وضعت زيارة الرئيس جوزاف عون طرابلس على السكة التي تليق بتاريخها وعمقها الاستراتيجي؛ سكة الممرات العالمية التي لا يمكن تجاوزها. إن زلزال الفيحاء اللوجستي قد بدأ، ومرفأ طرابلس الذي يربط أسواق آسيا ببوابات القارة العجوز ، بات محصناً بإرادة سياسية عليا تؤكد أن زمن إهمال الشمال قد ولى إلى غير رجعة وأن عاصمة الحرمان القديمة هي، من الآن فصاعداً، العاصمة اللوجستية والاقتصادية الحقيقية لمستقبل لبنان