ما بعد زلزال الكونغرس: ترمب بين مأزق الداخل ومخاطر المواجهة مع إيران

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

ما بعد زلزال الكونغرس: ترمب بين مأزق الداخل ومخاطر المواجهة مع إيران

لم تكن خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس الأميركي مجرد انتكاسة انتخابية عابرة، بل تحوّلاً سياسياً يضع الرئيس دونالد ترمب أمام معادلة أكثر تعقيداً في العامين الأخيرين من ولايته، حيث تتقاطع حسابات السلطة في واشنطن مع مستقبل المواجهة مع إيران، واحتمالات إعادة رسم توازنات المنطقة.

فبعد انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين، لم يعد ترمب يواجه خصومه في حدود السجال الحزبي، بل أمام مؤسسات تشريعية ورقابية تملك أدوات أوسع لمساءلة إدارته، وفتح ملفات الحرب وتداعياتها الاقتصادية والسياسية. والأهم أن كلفة استمرار المواجهة مع طهران لم تعد محصورة في الميدان، بل باتت تمتد إلى الداخل الأميركي نفسه.

هنا تكمن المعضلة: ترمب يريد إغلاق الملف الإيراني باعتباره إرثاً سياسياً لا يريد توريثه لإدارة لاحقة، لكنه يواجه واقعاً انتخابياً يفرض عليه حساب تكلفة أي تصعيد جديد. فالضربة العسكرية، إن وقعت، قد تمنحه هامشاً لإعادة فرض شروطه، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقيق تسوية سياسية، ولا تمنع تحوّل المواجهة إلى استنزاف إقليمي مفتوح.

وفي المقابل، تراهن واشنطن على أن الضغط الاقتصادي والعسكري قادر على دفع طهران إلى تقديم تنازلات جوهرية. غير أن هذه المعادلة تتجاهل حقيقة استراتيجية أساسية: إيران لا تحتاج إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي كي تعقّد الحسابات الأميركية؛ فقد يكفيها توسيع ساحات الاشتباك، ورفع تكلفة المواجهة، وتهديد استقرار الملاحة والطاقة، لتحويل أي عملية محدودة إلى أزمة تتجاوز حدودها الجغرافية.

ولا يمكن فصل إسرائيل عن هذه الحسابات، إذ قد تتقاطع أهدافها الأمنية مع الرغبة الأميركية في تقليص القدرات الإيرانية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تطابق الرؤى بشأن حدود التصعيد أو شكل التسوية النهائية.

الأخطر أن ترمب قد يجد نفسه أمام خيارين متناقضين: تصعيد سريع بحثاً عن إنجاز استراتيجي قبل اشتداد الرقابة الديمقراطية، أو تجنب مواجهة طويلة قد تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي على إدارته. وفي الحالتين، لن يكون القرار العسكري مجرد حساب للقوة، بل اختباراً لقدرة واشنطن على التحكم بمآلات الصراع

إن زلزال الكونغرس لم يُنهِ الخيارات الأميركية تجاه إيران، لكنه غيّر البيئة التي ستُتخذ فيها القرارات. فامتلاك التفوق العسكري لا يعني امتلاك القدرة على فرض نهاية الحرب، كما أن إضعاف الخصم لا يعني بالضرورة إخضاعه لشروط المنتصر.

المعضلة الحقيقية أمام ترمب ليست كيف يبدأ المواجهة مع إيران، بل كيف ينهيها من دون أن تتحول إلى أزمة داخلية أميركية، أو إلى انفجار إقليمي يصعب احتواؤه. فبين حسابات البيت الأبيض ومفاجآت طهران، قد تكون واشنطن أمام اختبار يتجاوز حدود القوة العسكرية إلى حدود القدرة على صناعة النتائج السياسية.