ما بعد زلزال أكتوبر: إسرائيل بلا حسم سياسي… والمنطقة أمام المجهول
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
لم تكشف انتخابات الكنيست الإسرائيلي عن أزمة أغلبية فحسب، بل عرّت مأزقاً أعمق: دولة تمتلك فائضاً من القوة العسكرية، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تحويله إلى استقرار سياسي ومكاسب استراتيجية مستدامة.
أظهرت استطلاعات القنوات الإسرائيلية تبايناً في تقديرات موازين القوى؛ فبينما منحت استطلاعات هيئة البث الإسرائيلية والقناة 13 معسكري نتنياهو والمعارضة 51 مقعداً لكل منهما، أشار استطلاع القناة 12 الأحدث إلى تقدم معسكر نتنياهو بـ52 مقعداً، مقابل 49 للمعارضة. وفي المقابل، برزت الأحزاب العربية بثقل يتراوح بين 18 و19 مقعداً، ما يعزز موقعها في الحسابات البرلمانية.
لكن المعطى الحاسم يتمثل في عجز أي من المعسكرين عن بلوغ عتبة الأغلبية البالغة 61 مقعداً في الكنيست المؤلف من 120 عضواً، ما ينذر بمفاوضات شاقة، ويضع إسرائيل أمام مأزق سياسي قد يطيل أمد الغموض بشأن هوية الحكومة المقبلة.
المفارقة أن نتنياهو قد يخسر القدرة على تشكيل حكومة مستقرة، من دون أن يفقد قدرته على تعطيل البديل. فالحفاظ على موقع الليكود كأكبر حزب منفرد يمنحه هامشاً للمناورة، فيما تواجه المعارضة اختباراً أصعب من جمع المقاعد: بناء ائتلاف متماسك قادر على الصمود أمام تناقضاته السياسية والأيديولوجية.
أما الصعود العربي، فيكشف تحولاً في ميزان التأثير البرلماني، لكنه لا يضمن تلقائياً مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة. وهنا تكمن عقدة المشهد: ثقل انتخابي قادر على التأثير في معادلة الحكم، من دون ضمان القدرة على تشكيله.
لا تتوقف أهمية الانتخابات عند مصير نتنياهو، بل تمتد إلى سؤال جوهري: هل تستطيع إسرائيل تحويل تفوقها العسكري إلى واقع أمني وسياسي أكثر استقراراً؟
في لبنان، تتجاوز الحسابات الإسرائيلية الضربات العسكرية إلى مستقبل الردع وترتيبات الحدود. وفي مواجهة إيران، يبقى التحدي في تحديد سقف القوة وكلفة التصعيد والنتائج السياسية المراد تحقيقها.
يميل معسكر نتنياهو إلى تقديم نهجه الأمني باعتباره ضمانة للردع، فيما قد يدفع خصومه نحو إعادة تقييم إدارة الجبهات وتحويل الإنجازات العسكرية إلى ترتيبات سياسية مستدامة. لكن تغيير الحكومة، إن حصل، لا يعني بالضرورة تغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية؛ فقد ينحصر الخلاف في إدارة القوة وكلفتها، لا في التخلي عنها.
بالنسبة إلى لبنان، لا يعني الاضطراب السياسي الإسرائيلي تراجع الخطر، بل زيادة هامش عدم اليقين. فقد يفتح الانشغال الداخلي مجالاً للمناورة الدبلوماسية، لكنه قد يدفع أيضاً قيادة مأزومة إلى تصعيد خارجي لتعزيز موقعها الداخلي. وفي المقابل، لا يعني الانقسام في تل أبيب أن إيران أصبحت في موقع آمن، إذ تظل المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية قادرة على العمل رغم تعثر تشكيل الحكومة.
وضعت انتخابات أكتوبر إسرائيل أمام اختبار يتجاوز هوية رئيس الوزراء: قدرتها على التوفيق بين القوة العسكرية والقرار السياسي وإنتاج تسويات مستدامة.
فالمعضلة الإسرائيلية اليوم ليست في كيفية كسب الحرب فقط، بل في كيفية منع الإنجازات العسكرية من التحول إلى استنزاف استراتيجي مفتوح. وبين سلطة معلّقة وجبهات لم تُحسم حساباتها، قد لا يكون أخطر ما تواجهه إسرائيل غياب الأغلبية، بل غياب التوافق على اليوم التالي للحرب.
وما يجري في الكنيست لن يبقى شأناً إسرائيلياً داخلياً؛ فقد تمتد تداعياته من بيروت إلى طهران، حيث ستُختبر قدرة الأطراف على استثمار لحظة الاضطراب: هل تفتح الباب أمام تسوية تعيد رسم قواعد الاشتباك، أم تمهّد لجولة جديدة من الصراع؟