جمال عثمان في مرآة الدولة من إمبراطورية المحروقات إلى سؤال الكهرباء الخاصة... من يراقب من في شمال لبنان؟
مكتب التحرير خاص مراسل نيوز
من إمبراطورية المحروقات إلى سؤال الكهرباء الخاصة... من يراقب من في شمال لبنان؟
في لبنان، لا تبدأ القصة دائماً من المخالفة، بل من غياب السؤال.
وحين يصبح رجل أعمال لاعباً بارزاً في قطاع حيوي كالمحروقات، ثم تظهر أسئلة عن امتداد نشاطه إلى قطاع المولدات وشبكات الكهرباء الخاصة، فإن القضية لا تعود مجرد قصة رجل وشركات، بل تتحول إلى اختبار حقيقي لهيبة الدولة وقدرتها على معرفة من يملك ماذا، ومن يعمل أين، وتحت أي ترخيص.
اسم جمال عثمان ليس جديداً على المشهد النفطي اللبناني. فقد برز اسمه خلال أزمة المحروقات بوصفه أحد كبار العاملين في سوق توزيع المازوت، فيما ارتبط اسمه بملفات قضائية وإعلامية آنذاك. لكن يجب التشديد على نقطة جوهرية: صدرت في عام 2022 براءة في أحد الملفات التي حوكم فيها، ولذلك لا يجوز تقديم الاتهامات السابقة كإدانة ثابتة.
لكن البراءة لا تلغي حق الرأي العام في طرح الأسئلة الجديدة.
بل تجعلها أكثر ضرورة.
من يملك الطاقة في الشمال؟
في عكار وطرابلس والشمال، لم تعد الكهرباء مجرد خدمة.
إنها اقتصاد قائم بذاته.
مولدات خاصة، اشتراكات شهرية، شبكات تمدّ بين الأحياء، كابلات تمر فوق الشوارع أو بمحاذاتها، ومواطن يدفع فاتورتين: واحدة للدولة، وأخرى لصاحب المولد.
وهنا يظهر السؤال الذي يجب أن تجيب عنه المؤسسات:
من يملك هذه المولدات؟ ومن يملك الشبكات؟ ومن منح تراخيصها؟ ومن يراقب تمديدها على الطرقات والأملاك العامة؟
إذا كانت هناك شركات أو مولدات مرتبطة بجمال عثمان أو بشركات تعود إلى دائرة مصالحه، فإن ذلك يجب أن يكون قابلاً للتحقق من خلال السجلات والتراخيص، لا من خلال الشائعات.
وإذا لم تكن هناك علاقة، فليكن الأمر واضحاً أيضاً.
فالتحقيق الصحافي الحقيقي لا يبحث عن إدانة مسبقة.
إنه يبحث عن الحقيقة.
السؤال الذي يجب أن يوجّه إلى الدولة
ليس السؤال:
«هل جمال عثمان مذنب؟»
فهذا سؤال يقرره القضاء.
السؤال السياسي والاقتصادي هو:
«هل الدولة تعرف حجم النشاط الاقتصادي للشركات والأشخاص العاملين في قطاع الطاقة في الشمال؟»
هل تعرف عدد المولدات؟
هل تعرف أسماء أصحابها؟
هل تعرف الشركات التي تديرها؟
هل تعرف أين تمر شبكاتها؟
هل تدفع الرسوم والضرائب والبدلات؟
وهل تخضع جميعها للمعايير نفسها؟
هذه ليست أسئلة شخصية.
هذه أسئلة رقابية.
عندما تصبح الطريق العامة جزءاً من شبكة خاصة
إذا ثبت أن شبكة كهرباء خاصة تمددت على طريق عام أو ملك عام من دون ترخيص قانوني، فالمشكلة لا تعود مرتبطة بصاحب المولد وحده.
هنا تصبح القضية قضية اعتداء على الملك العام ومسؤولية الجهة التي سمحت أو غضّت الطرف.
ومن منح الإذن؟
ومن عاين؟
ومن وقّع؟
ومن قبض الرسوم إن كانت هناك رسوم؟
ومن قرر أن هذه الشبكة قانونية؟
وإذا لم تكن قانونية، فلماذا بقيت؟
هذه الأسئلة تحديداً يجب ألا تُدفن في الأدراج.
لأن المواطن الذي يدفع اشتراك الكهرباء كل شهر يحق له أن يعرف أيضاً: هل يدفع مقابل خدمة قانونية ومنظمة، أم أمام اقتصاد موازٍ يعمل خارج رقابة الدولة؟
من المحروقات إلى المولدات... هل نحن أمام شبكة مصالح؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
لا يجوز القول إن هناك «إمبراطورية» مترابطة من المحروقات والمولدات والكهرباء الخاصة ما لم تثبت الوثائق ذلك.
لكن من حق الصحافة أن تسأل:
هل توجد شركات متعددة بأسماء مختلفة يشترك أصحابها أو مديروها أو المستفيدون الحقيقيون؟
هل توجد ملكيات متقاطعة؟
هل هناك عقود توريد محروقات لمولدات معينة؟
هل هناك علاقات تجارية بين شركات الطاقة والمولدات؟
هل توجد تراخيص أو قرارات بلدية مرتبطة بهذه الأنشطة؟
هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تكشف شبكة المصالح إن كانت موجودة فعلاً.
الدولة أمام اختبار حقيقي
المواطن اللبناني لم يعد يريد بيانات.
يريد سجلات.
يريد أن يعرف من يملك الشركات.
من يستورد.
من يخزن.
من يوزع.
من يشغل المولدات.
ومن يمد الشبكات.
ومن يستخدم الأملاك العامة.
ومن يدفع للدولة.
ومن لا يدفع.
والأهم:
من يحاسب؟
لأن الدولة التي تستطيع ملاحقة صاحب محل صغير بسبب مخالفة، يجب أن تكون قادرة أيضاً على التدقيق في أكبر الشركات وأكثرها نفوذاً.
لا يمكن أن يكون القانون قوياً على الضعيف، ومرناً أمام القوي.
إلى جمال عثمان
من حق جمال عثمان، كما هو حق أي رجل أعمال، أن يُسمع صوته وأن يوضح للرأي العام حقيقة شركاته ونشاطه.
إذا كانت جميع أعماله قانونية، فهذه فرصة لإظهار الوثائق.
وإذا كانت هناك شركات لا علاقة له بها، فليُعلن ذلك.
وإذا كانت هناك مولدات أو شبكات لا تعود إليه، فليكن الأمر واضحاً.
فالصحافة المهنية لا تخشى الرد.
بل تبحث عنه.
وإلى الدولة اللبنانية
نريد إجابة بسيطة:
من يراقب سوق الطاقة في الشمال؟
ومن يملك قاعدة بيانات كاملة عن المولدات؟
ومن يدقق في الشبكات؟
ومن يراقب استخدام الطرق والأملاك العامة؟
ومن يراجع التراخيص؟
ومن يتأكد من دفع الرسوم والضرائب؟
ومن يحقق عندما تظهر شبهات؟
إذا كانت الإجابة موجودة، فلتخرج إلى الناس.
وإذا لم تكن موجودة، فالمشكلة أكبر من جمال عثمان.
المشكلة هي دولة لا تعرف من يملك مفاتيح الطاقة على أرضها.
الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج
هذا التحقيق لا يحتاج إلى تشهير.
يحتاج إلى وثائق.
السجل التجاري.
التراخيص.
قرارات البلديات.
ملفات وزارة الطاقة.
القيود العقارية حيث تكون متاحة قانوناً.
الملفات القضائية.
عقود الشركات.
أسماء الشركاء والمديرين.
والمستفيد الحقيقي من كل شركة.
عندها فقط يمكن أن نعرف:
هل نحن أمام رجل أعمال كبير يعمل ضمن القانون؟
أم أمام شبكة مصالح متشعبة؟
أم أمام منظومة أكبر من الأشخاص والشركات؟
الخاتمة
قصة جمال عثمان، إذا فُتحت مهنياً، يمكن أن تكون أكثر من قصة رجل أعمال.
قد تكون مرآة تكشف كيف تُدار الطاقة في شمال لبنان عندما تغيب الدولة أو تتراجع رقابتها.
ولهذا فإن السؤال الأكبر ليس:
«ماذا يملك جمال عثمان؟»
بل:
«ماذا تعرف الدولة عما يملكه جمال عثمان، وماذا تعرف عن كل رجال الأعمال الذين يعملون في قطاعات الطاقة؟»
فالبلد الذي لا يعرف من يملك مفاتيح طاقته، لا يملك سيادة كاملة على اقتصاده.
والبلد الذي يسمح لشبكات خاصة بأن تتمدد في شوارعه من دون رقابة شفافة، لا يواجه أزمة كهرباء فقط.
إنه يواجه أزمة دولة.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.