الزلزال لم يصل إلى الشارع بعد… لكنه بدأ في جيوب اللبنانيين»
بقلم رئيسة التحرير اليندا المصري خاص مراسل نيوز
في لبنان، لم يعد السؤال: كم ارتفع سعر السلعة؟
السؤال الحقيقي أصبح: كم بقي من راتب المواطن بعد أن يدفع ثمن كل شيء؟
هذه هي المشكل
راتب يتراجع أمام الأسعار، فاتورة كهرباء، كلفة نقل، أقساط مدرسة، طبابة، دواء، وإيجار أو قرض... وفي نهاية الشهر، عائلة تحاول أن تكتشف كيف يمكن أن تبدأ الشهر التالي من دون الاستدانة.
هنا لا يعود الغلاء مجرد أرقام في الأسواق.
هنا يصبح الغلاء قضية سياسية بامتياز.
لأن المواطن لا يعيش داخل المؤشرات الاقتصادية، بل يعيش داخل فاتورة البيت.
ولا يقيس أداء الدولة بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بسؤال بسيط جداً:
هل أستطيع أن أعيش بكرامة من دخلي؟
هذه هي نقطة الاختبار.
لا أحد يطلب من الدولة أن تتحكم بكل ما يحدث في العالم، ولا أن تمنع الأزمات الإقليمية أو ارتفاع أسعار الطاقة.
لكن الناس تنتظر منها شيئاً أبسط وأهم:
أن تدير الأزمة، لا أن تشرحها فقط.
أن تحمي القدرة الشرائية قدر الإمكان.
أن تراقب الأسواق.
أن تمنع الاستغلال عندما يثبت وجوده.
أن تحمي الفئات الأكثر ضعفاً.
وأن تتحدث مع الناس بوضوح، لا بلغة الأرقام الباردة التي لا تشبه حياتهم اليومية.
المشكلة الأكبر ليست فقط أن الأسعار ترتفع.
المشكلة أن المواطن بدأ يغيّر طريقة حياته بسببها.
يشتري أقل، يؤجل ما يستطيع تأجيله، يخفض إنفاقه على صحته، يعيد حسابات التعليم، يقلل تنقله، ويبحث كل يوم عن طريقة جديدة ليجعل راتبه يصمد حتى نهاية الشهر.
وهنا يجب أن ننتبه.
عندما يبدأ المواطن بتقليص حياته حتى تتناسب مع راتبه، فالأزمة لم تعد أزمة أسعار فقط؛ إنها أزمة اجتماعية تتوسع بصمت.
والصمت هنا لا يعني أن الأمور بخير.
قد يعني ببساطة أن الناس ما زالت تحاول الصمود.
لذلك، لا يجب أن تنتظر الدولة مشهداً في الشارع حتى تدرك حجم المشكلة.
الإنذار الحقيقي موجود داخل البيوت.
في الموظف الذي يعمل ولا يستطيع الادخار.
في المتقاعد الذي يحسب ثمن الدواء.
في العائلة التي تعيد ترتيب أولوياتها لأن دخلها لم يعد يكفي.
وفي الشاب الذي يسأل نفسه: إلى متى يمكن أن أبقى وأعيش هنا؟
هذه ليست تفاصيل صغيرة.
هذه مؤشرات على علاقة المواطن بدولته وبمستقبله.
نحن بحاجة اليوم إلى سياسة تخرج من منطق إدارة الأزمة أسبوعاً بأسبوع، وتنتقل إلى منطق حماية المجتمع وقدرته على الاستمرار.
فالاستقرار لا يعني فقط غياب الاحتجاج.
الاستقرار يعني أن يكون لدى الناس سبب واقعي يجعلهم يؤمنون بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
لا نريد معالجة الغلاء بالخطابات، ولا مواجهة القلق الاجتماعي بالتطمينات.
نريد أفعالاً، أرقاماً واضحة، إجراءات قابلة للقياس، ومسؤولية سياسية يعرف المواطن من يتحملها.
لأن المواطن اللبناني لم يعد يحتمل أن يدفع ثمن كل شيء...
ثم يُطلب منه أن يدفع ثمن الانتظار أيضاً.
والوقت اليوم ليس لصالح التأجيل.
فالغلاء عندما يضغط على الجيب، يصبح أزمة معيشية.
وعندما يطول، يصبح أزمة ثقة.
وعندما تنهار الثقة، تصبح الأزمة أكبر من الاقتصاد نفسه.