إيران... الصمود ليس استقراراً
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
في قراءة المشهد الإيراني، ثمة خطأ يتكرر باستمرار: الخلط بين قدرة النظام على الصمود وقدرته على إنتاج الاستقرار.
إيران تمتلك أدوات قوة يصعب تجاهلها: مؤسسات أمنية وعسكرية واسعة النفوذ، خبرة طويلة في إدارة الأزمات، وموارد وقدرات تسمح لها بامتصاص قدر كبير من الضغوط. لذلك، فإن اختزال المشهد في سؤال «هل ينهار النظام؟» ليس قراءة استراتيجية كافية.
السؤال الأهم هو: ما كلفة هذا الصمود، وإلى متى يمكن إدارة الأزمات بالأدوات نفسها؟
من الأزمة الاقتصادية إلى أزمة الثقة
عندما ترتفع الأسعار وتتراجع القدرة الشرائية وتتدهور الخدمات، لا تبقى الأزمة اقتصادية طويلاً. تتحول إلى أزمة سياسية عندما يبدأ المواطن بالسؤال: من المسؤول؟ ولماذا لا يتغير شيء؟
وهنا يبدأ تآكل الثقة.
فالسلطة تستطيع احتواء احتجاج في الشارع، لكنها لا تستطيع بالوسائل الأمنية وحدها معالجة الأسباب التي أنتجته. وقد يختفي الاحتجاج من المجال العام، من دون أن تختفي حالة الاحتقان من المجتمع.
وهذه نقطة جوهرية: غياب الاحتجاج لا يعني بالضرورة غياب أسبابه.
الهجرة: المؤشر الصامت
قد يكون نزيف الكفاءات أكثر خطورة مما يبدو.
فحين يغادر أصحاب المهارات والخبرات، لا تخسر الدولة أشخاصاً فقط، بل تخسر استثماراً تعليمياً وإنتاجياً، وتفقد جزءاً من قدرتها على تجديد مؤسساتها واقتصادها.
والأخطر أن الهجرة قد تعكس تحولاً في علاقة الإنسان بمستقبله: حين يصبح بناء المستقبل خارج البلاد أكثر إقناعاً من بنائه داخلها، تتحول الأزمة من مشكلة اقتصادية إلى أزمة ثقة بالمستقبل.
الدولة ليست النظام
من الضروري أيضاً التمييز بين إيران كدولة ومجتمع وتاريخ، وبين المؤسسات والخيارات التي تدير السلطة.
فانتقاد النظام لا يعني بالضرورة رفض الدولة، والاعتراض على سياسة حكومية لا يعني العداء للوطن.
هذه المسافة ضرورية لفهم المجتمع الإيراني بعيداً عن الاختزال الذي يحوّل كل معارضة إلى تهديد خارجي.
معادلة الاستقرار
المشكلة الاستراتيجية ليست أن النظام يفتقر إلى القوة، بل أن القوة وحدها لا تنتج بالضرورة الثقة أو الرضا أو النمو.
وهنا قد تتشكل حلقة استنزاف:
أزمة اقتصادية → غضب اجتماعي → احتجاج → احتواء أمني → تراجع الثقة → هجرة وانسحاب اجتماعي → ضعف بعض القدرات → أزمة جديدة.
هذه ليست معادلة انهيار حتمي، لكنها معادلة استنزاف تراكمي.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي ليس فقط: هل تستطيع السلطة احتواء الأزمة؟
بل: هل تستطيع معالجة الأسباب التي تجعل الأزمة تتكرر؟
فالاستقرار الذي يعتمد على القوة يستطيع شراء الوقت، لكن الاستقرار الأكثر رسوخاً يحتاج أيضاً إلى اقتصاد قادر، ومؤسسات فعالة، وثقة اجتماعية، وأفق يتيح للمواطن أن يرى مستقبله داخل بلده لا خارجه.
وهنا تكمن المعضلة الإيرانية الأعمق:
ليست القضية في قدرة النظام على البقاء، بل في كلفة البقاء بالطريقة نفسها، وقدرته على تحويل الصمود من مجرد احتواء للأزمات إلى قدرة على إنتاج الاستقرار.