إرهابٌ يُحارَب وإرهابٌ يُفاوض: هل سقطت هيبة المعيار الدولي؟
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
من القاعدة وداعش إلى الحوثيين وحزب الله... أين ينتهي القانون وتبدأ ازدواجية المعايير؟
في النظام الدولي، لا تكمن المشكلة دائماً في غياب القواعد، بل في كيفية تطبيقها على أصحاب القوة والنفوذ.
وهنا يفرض الشرق الأوسط سؤالاً لا يمكن تجاهله: لماذا استطاع المجتمع الدولي أن يبني تحالفات عسكرية وأمنية واسعة لمواجهة القاعدة وتنظيم داعش، بينما يتعامل مع جماعات مسلحة أخرى، وفي مقدمتها الحوثيون وحزب الله، بمزيج مختلف من العقوبات والضغوط والمفاوضات والاحتواء؟
لا يعني هذا أن هذه الجماعات متطابقة؛ فلكل منها نشأة وأهداف وبنية وسياق سياسي مختلف. لكن السؤال الاستراتيجي ليس: هل الحوثيون هم داعش؟ وهل حزب الله هو القاعدة؟
السؤال الأهم هو:
هل يمتلك المجتمع الدولي معياراً ثابتاً للحكم على السلوك المسلح، أم أن المعيار يتبدل عندما تتغير هوية الفاعل وتحالفاته وموقعه في موازين القوى؟
الحوثيون... عندما يتجاوز التهديد حدود الدولة
لم يعد الحوثيون مجرد طرف في الحرب اليمنية. فقد ارتبطت الجماعة خلال السنوات الماضية بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة على الأراضي السعودية، ثم أصبحت الهجمات على السفن والملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن منذ أواخر عام 2023 جزءاً من أزمة ذات أبعاد إقليمية ودولية.
وهنا تنتقل القضية من نزاع داخلي إلى قضية تتصل بأمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
فالتهديد المستمر للملاحة لا يمس دولة واحدة فقط؛ بل يمكن أن ينعكس على التجارة وسلاسل الإمداد وأمن الملاحة الدولية.
ولا يعني ذلك اختزال الحوثيين في نموذج القاعدة أو داعش، فالسياقات مختلفة. لكن اختلاف السياق لا ينبغي أن يعني اختلاف المبدأ: تهديد المدنيين أو الملاحة الدولية يجب أن يخضع لمعيار واضح، أياً كانت هوية الجهة التي تقف وراءه.
حزب الله... حين تتداخل السياسة مع القوة المسلحة
أما حزب الله، فيقدم معضلة أكثر تعقيداً.
فهو فاعل سياسي رئيسي في لبنان، وفي الوقت نفسه يمتلك قدرات عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة. وقد اختلفت الدول في توصيفه وتصنيفه، بين من يصنف الحزب أو جناحه العسكري تنظيماً إرهابياً، ومن يميز بين جناحيه السياسي والعسكري.
لكن خلف هذا الاختلاف سؤالاً أكبر:
هل يمنح النفوذ السياسي حصانة من المساءلة عن السلوك العسكري؟
المشاركة السياسية لا ينبغي، من حيث المبدأ، أن تتحول إلى حصانة من القانون. كما أن التعامل السياسي مع أي جماعة لا يعني بالضرورة قبول كل ممارساتها المسلحة.
إيران... الحلقة التي لا يمكن تجاوزها
لا يمكن قراءة المشهد الإقليمي من دون التوقف عند الدور الإيراني وشبكة علاقاته مع جماعات مسلحة في المنطقة.
ومن منظور استراتيجي، فإن معالجة ظاهرة الجماعات المسلحة لا يمكن أن تقتصر على الجماعة نفسها إذا كانت هناك شبكات تمويل وتسليح ودعم تساعدها على بناء قدراتها.
لكن التحليل الجاد يقتضي أيضاً التمييز بين الوقائع المثبتة والاتهامات السياسية، وعدم تحويل كل ادعاء إلى حقيقة.
المطلوب ليس تبسيط المشهد إلى معادلة «إيران والجماعات التابعة لها»، بل فهم شبكة المصالح والعلاقات والدعم التي تجعل الصراعات الإقليمية أكثر تعقيداً واستدامة.
هل البديل هو الحرب؟
ليس المطلوب أن يعيد المجتمع الدولي تجربة الحرب الشاملة في كل نزاع.
هناك أدوات أخرى أكثر دقة: العقوبات الموجهة، تجفيف مصادر التمويل، منع تهريب الأسلحة، حماية الملاحة الدولية، المساءلة القانونية، دعم مؤسسات الدولة، والضغط الدبلوماسي، إلى جانب الحوار عندما يكون قادراً على خفض مستوى العنف.
فالحوار لا يناقض الردع، والردع لا يعني الحرب.
المشكلة ليست في أن يتفاوض المجتمع الدولي مع خصومه؛ فالتفاوض جزء أصيل من السياسة الدولية.
المشكلة تبدأ عندما تتحول البراغماتية إلى ازدواجية في المعايير.
معيار واحد... لا رد واحد
وهنا يجب التمييز بين أمرين.
المطالبة بمعيار واحد لا تعني أن يعامل المجتمع الدولي كل جماعة بالطريقة العسكرية نفسها. فاختلاف الظروف والسياقات يفرض اختلاف الأدوات.
لكن المبادئ الأساسية يجب ألا تتغير:
حماية المدنيين، احترام سيادة الدول، حماية الملاحة الدولية، منع التمويل والتسليح غير المشروع، ومساءلة أي جهة عن الانتهاكات وفق القانون الدولي.
بعد ذلك يمكن أن تختلف الوسائل: دبلوماسية أو اقتصادية أو قانونية أو أمنية أو عسكرية، وفق طبيعة كل حالة.
هذه هي النقطة التي ينبغي أن ينطلق منها النقاش الحقيقي.
الاختبار الحقيقي للنظام الدولي
لقد أثبت المجتمع الدولي أنه قادر على التحرك عندما يتفق على أن تنظيماً ما يمثل تهديداً عابراً للحدود.
لكن الاختبار الأصعب يبدأ عندما يكون الفاعل المسلح جزءاً من معادلة سياسية، أو يمتلك حاضنة محلية، أو يرتبط بدولة إقليمية قوية، أو يصبح طرفاً لا يمكن تجاهله في أي تسوية.
هنا تظهر الفجوة بين المبادئ المعلنة والمصالح الفعلية.
وقد تكون الواقعية السياسية ضرورية في العلاقات الدولية، لكن الواقعية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعدد المعايير.
فإذا كان استهداف المدنيين مرفوضاً، فهو مرفوض أياً كان مرتكبه.
وإذا كانت حرية الملاحة مبدأً دولياً، فيجب حمايتها أياً كان الطرف الذي يهددها.
وإذا كان امتلاك السلاح خارج مؤسسات الدولة يمثل تحدياً لسيادة الدولة، فيجب أن يخضع هذا الواقع لمعالجة سياسية وقانونية واضحة.
الخلاصة
ليس المطلوب أن يقول العالم إن الحوثيين هم داعش، أو إن حزب الله هو القاعدة. فهذه مقارنات تتجاهل اختلاف التاريخ والبنية والأهداف والسياقات.
المطلوب أبسط وأكثر جوهرية:
أن يكون للسلوك معيار واحد، حتى عندما تختلف أسماء الفاعلين.
فالإرهاب لا يصبح أقل خطراً بسبب الغطاء السياسي، والسلاح لا يصبح أكثر شرعية لمجرد أن حامله أصبح طرفاً في مفاوضات، وتهديد الملاحة الدولية لا يتغير جوهره بسبب هوية منفذه.
إن قوة النظام الدولي لا تُقاس فقط بقدرته على مواجهة خصم ضعيف أو معزول، بل بقدرته على تطبيق القواعد نفسها عندما تختلف أسماء اللاعبين وموازين القوى.
فإذا أصبح القانون صارماً مع خصم ومرناً مع آخر بسبب التحالفات والمصالح، فإن القضية لا تعود قضية جماعة مسلحة بعينها؛ بل تصبح قضية مصداقية النظام الدولي نفسه.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام عواصم العالم ليس: من هو حليفنا ومن هو خصمنا؟
بل:
ما هو المعيار الذي سنطبقه غداً عندما يتغير الحليف، ويتغير الخصم، وتتغير موازين القوة؟
فهنا تحديداً يُختبر النظام الدولي:
ليس عندما يكون تطبيق القانون سهلاً، بل عندما يصبح تطبيقه مكلفاً سياسياً.