من استهداف الرياض إلى غليان الشارع السني: هل تُشعل إيران فتيل الحرب الطائفية الكبرى

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

من استهداف الرياض إلى غليان الشارع السني: هل تُشعل إيران فتيل الحرب الطائفية الكبرى

لم يعد ما يشهده الشرق الأوسط مجرد صراع على النفوذ أو سباق لتثبيت موازين القوة؛ فالمنطقة تواجه اختبارًا أكثر خطورة، يتمثل في احتمال انتقال المواجهة من صراع سياسي وعسكري إلى استقطاب مذهبي يهدد استقرار دولها ومجتمعاتها. ومع تصاعد التوترات والهجمات المنسوبة إلى الحوثيين والقوى المسلحة المرتبطة بإيران، يعود السؤال الأكثر حساسية إلى الواجهة: هل يتجه الشرق الأوسط نحو مواجهة طائفية مفتوحة، أم أن ما يجري لا يزال صراعًا إقليميًا تحاول أطرافه توظيف الانقسامات المذهبية داخله؟

إن استهداف السعودية، بما تمثله من ثقل عربي وإسلامي واستراتيجي، لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا أمنيًا محدودًا. فالرياض ليست مجرد عاصمة خليجية، بل مركز أساسي في معادلات الأمن العربي، وأي تهديد لأمنها تتجاوز تداعياته حدود المملكة. ومن هنا، فإن الهجمات الحوثية والتصعيد المرتبط بالنفوذ الإيراني قد يغذيان مشاعر الغضب لدى قطاعات من الشارع السني، التي ترى في استهداف السعودية ودول عربية أخرى مساسًا بأمن المنطقة ومكانتها.

لكن المسألة تتجاوز الغضب الشعبي؛ إذ إن أخطر ما قد تنتجه هذه المواجهة هو تحويل الصراع على السيادة والنفوذ إلى صراع بين الهويات المذهبية. فعندما تتراكم الهجمات، وتتراجع الثقة بالحلول السياسية، وتتصاعد لغة التعبئة الطائفية، يصبح خطر الاستقطاب أوسع من قدرة أي دولة على احتوائه بسهولة.

السؤال الاستراتيجي ليس فقط من يستهدف العواصم العربية، بل من يسعى إلى تحويل هذه المواجهة إلى شرخ مذهبي يعيد رسم المنطقة بالنار.

إن النفوذ الإيراني في المنطقة، عبر علاقاته بقوى مسلحة وحلفاء محليين، يثير أسئلة جدية حول سيادة الدول وحدود التدخل الخارجي. غير أن القراءة الدقيقة تقتضي التمييز بين سياسات طهران وأفعال الجماعات المرتبطة بها من جهة، والمجتمعات الشيعية من جهة أخرى. فالمسؤولية السياسية والأمنية تُحدَّد بالأفعال والقرارات والأدلة، لا بالانتماء المذهبي.

وفي المقابل، فإن غضب الشارع السني، حيث تظهر مؤشراته، لا ينبغي اختزاله في تعبئة طائفية أو اعتباره تحركًا موحدًا في مختلف الدول. إنه يتصل أيضًا بمخاوف أمنية وسياسية، وبالاعتراض على تمدد القوى المسلحة خارج سلطة الدولة، وبالقلق من أن تصبح العواصم العربية ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.

هنا يكمن الاختبار الحقيقي للدول العربية: هل تستطيع حماية أمنها وسيادتها وتنسيق مواقفها، من دون الانجرار إلى مواجهة مذهبية شاملة؟ فمواجهة الاعتداءات تتطلب ردعًا مسؤولًا، وتعاونًا عربيًا، وتعزيزًا لمؤسسات الدولة، ومسارًا سياسيًا يمنع استمرار الأزمات التي تستثمر فيها القوى الإقليمية.

أما إذا تُركت الانقسامات لتتحول إلى أداة تعبئة، فقد تدخل المنطقة مرحلة يصبح فيها كل اعتداء وقودًا لاعتداء جديد، وكل أزمة ذريعة لتوسيع دائرة العداء. وعندها لن تكون الخسارة محصورة بدولة أو محور، بل ستطال استقرار المنطقة بأكملها.

فهل نحن أمام حرب طائفية في الشرق الأوسط؟

لا يمكن الجزم بأن المنطقة دخلت حربًا مذهبية شاملة، لكن خطر الانزلاق إليها يصبح أكثر جدية كلما تداخل الصراع الإقليمي مع خطاب الكراهية والتعبئة المذهبية، وكلما عجزت السياسة عن احتواء التصعيد. والفرق جوهري بين مواجهة تحمي سيادة الدول، ومواجهة تستهدف جماعات بأكملها على أساس هويتها.

إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفًا عربيًا واضحًا: لا شرعية للاعتداء على الدول، ولا قبول بفرض النفوذ عبر السلاح، ولا مبرر لتحويل الخلاف السياسي إلى حرب بين السنّة والشيعة. فالدولة الوطنية، لا الطائفة، هي الإطار الذي يحمي الجميع ويضمن الحقوق.

الخلاصة أن الشرق الأوسط لا يقف أمام اختبار عسكري فحسب، بل أمام اختبار تاريخي: إما أن تُحاصر الصراعات ضمن حدود السيادة والسياسة، وإما أن تنجح القوى المتنافسة في جرّ المنطقة إلى مواجهة مذهبية مفتوحة.

وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس حكمة القيادة بقدرتها على رفع سقف المواجهة، بل بقدرتها على حماية الأوطان ومنع تحويل الغضب المشروع إلى نار تحرق الجميع.