السعودية وإيران: من اتفاق بكين إلى صواريخ الحوثيين… هل تتكرر أخطاء الثقة؟

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

السعودية وإيران: من اتفاق بكين إلى صواريخ الحوثيين… هل تتكرر أخطاء الثقة؟

حين لا تُحترم الالتزامات، تصبح المصافحة صورة دبلوماسية لا ضمانة للسلام.

في السياسة الدولية، لا تُقاس مصداقية الدول بما توقّعه من اتفاقيات، بل بما تنفّذه من التزامات. ومن هنا، فإن أي حديث عن بناء الثقة بين السعودية وإيران يجب أن يبدأ من اتفاق بكين، الموقّع في آذار 2023، لا من صفحة جديدة تتجاهل ما سبقها.

لقد مثّل الاتفاق فرصة لإعادة بناء العلاقات، وأكد مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لكن السؤال الذي لا يجوز تجاوزه اليوم هو: إلى أي مدى تحولت هذه المبادئ إلى واقع يضمن أمن المملكة واستقرار المنطقة؟

فالسعودية لا تستطيع أن تتعامل مع ملف الثقة وكأن الذاكرة السياسية تبدأ من جديد مع كل مبادرة دبلوماسية. فما زالت الهجمات الحوثية التي استهدفت أراضي المملكة ومنشآتها الحيوية ومطاراتها، وهددت أمن الرياض ومناطق أخرى، حاضرة في حسابات الأمن الوطني السعودي.

والحوثيون ليسوا مجرد تفصيل عابر في المشهد الإقليمي؛ إنهم حليف لطهران، ويحظى بدعم إيراني موثق في جوانب عسكرية وتقنية، وفق تقارير دولية. ولذلك، فإن أي تفاهم سعودي إيراني لا يتناول دور الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، وفي مقدمتها الحوثيون، يظل تفاهمًا ناقصاً لا يعالج جذور التهديد.

وهنا تكمن المفارقة: كيف نتحدث عن أمن إقليمي تصنعه دول المنطقة، بينما يبقى أمن بعض هذه الدول مهدداً من قوى مسلحة خارج مؤسساتها الوطنية؟ وكيف يمكن بناء الثقة مع طهران من دون اختبار مدى استعدادها لاستخدام نفوذها لوقف التهديدات، لا لإدارتها أو توظيفها؟

إن الخطأ ليس في الحوار مع إيران؛ فالدبلوماسية ليست ضعفاً، والحروب ليست قدراً. الخطأ هو منح الثقة قبل ظهور الأدلة، والانتقال إلى اتفاقات جديدة قبل تقييم نتائج الاتفاق السابق.

ومن جرّب المجرّب، عقله مخرّب.

هذه ليست دعوة إلى القطيعة أو التصعيد، بل إلى واقعية استراتيجية: لا بد من ضمانات قابلة للتحقق، والتزامات واضحة، ومحاسبة على الإخلال بها. ويجب أن يكون احترام سيادة السعودية، وأمن مواطنيها، وسلامة الحرمين الشريفين، ووقف التهديدات الحوثية، في صلب أي تفاهم جاد.

أما طهران، فعليها أن تدرك أن السلام لا يُصنع بالتصريحات ولا بالزيارات الدبلوماسية، بل بتغيير السلوك واحترام سيادة الجيران.

السعودية لا تحتاج إلى عداوة دائمة مع إيران، لكنها لا يجوز أن تدفع ثمن السلام من أمنها، ولا أن تستبدل ذاكرة التجربة بوعود جديدة.

فالسؤال اليوم ليس: هل تريد إيران الحوار مع السعودية؟ بل: هل تريد سلاماً حقيقياً ينهي أسباب التهديد، أم تهدئة مؤقتة تحفظ لها أوراق النفوذ؟

والفرق بين الاثنين هو الفرق بين صناعة السلام وإعادة تدوير الأزمة.

فلا سلام بلا التزام، ولا ثقة بلا برهان، ولا مستقبل إقليمياً آمناً إذا بقيت صواريخ الحلفاء تتحدث بلغة تناقض مصافحات العواصم.