خطيئة "الزعامة الباردة": حين تمنحنا فيروز كبرياء الغياب.. ويتركنا الحريري في العراء
بقلم هيئة التحرير خاص مراسل نيوز
في المفاصل التاريخية الكبرى، تصبح المسافات هي الفارق بين الأسطورة والخذلان. تُعلمنا السيدة فيروز كيف يكون الغياب صنوًا للكرامة الوطنية؛ اعتزلت الضوء وهي في ذروة المجد، لتترك للبنانيين إرثاً نقياً لا تشوبه مساومة، متحولةً بصمتها إلى رمز عابر للطوائف والانكسارات. لقد اشترت فيروز ذكراً جميلاً يليق بوطن، لأنها عرفت متى تنكفئ لتظلّ حيّة في وجدان شعبها.
على المقلب الآخر، يمارس سعد الحريري خطيئة سياسية غير مغفورة تحت مسمى "تعليق العمل السياسي". إنها ليست خطوة انكفاء وطني، بل هي حالة من الأنانية المفرطة؛ زعامة نرجسية باردة تمسك بمصير طائفة وبلد رهينةً لغيابه الموسمي. لقد ارتضى الحريري لنفسه أن يكون ضحية للتوازنات الإقليمية، وبدلاً من أن يمتلك شجاعة "الاعتزال الشجاع" ليفسح المجال أمام دماء جديدة تنقذ ما تبقى، اختار أن يغلق الباب وراءه ويأخذ المفتاح معه، تاركاً الساحة السياسية في حالة عقم وفراغ قاتل.
السياسة في زمن الانهيار ليست ترفاً، ولا هي صنبور يُفتح في ذكرى 14 شباط لاستدرار عواطف البيئة الحاضنة ثم يُغلق بانتظار الطائرة الخاصة. إن ترك الناس في قعر الهاوية، واللعب على حبال الانتظار الإقليمي، هو استخفاف بوعي أمة وبقايا وطن.
من أراد أن يصنع تاريخاً كفيروز، عليه أن يتعلم كيف يرحل بكبرياء، أو كيف يواجه بصلابة. أما البقاء في "منطقة الظل" الرمادية، واحتكار القرار عبر "الغياب المفروض"، فهو ليس اعتكافاً حكيماً... بل هو خذلان موصوف للتاريخ، وإعلان رسمي عن إفلاس الزعامة التي تركت ناسها في العراء بحثاً عن تسوية لن تأتي.