حين يُقتل الأبرياء باسم الدين: لماذا يُوضَع المسلمون السنّة دائمًا في قفص الاتهام؟
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
الإرهاب جريمة لا تحتاج إلى تبرير، والضحايا لا يحتاجون إلى إذن كي نحزن عليهم. لكن ثمة سؤالًا موجعًا لا يجوز الهروب منه: لماذا يتحوّل كل هجوم إرهابي يرتكبه متطرفون مسلمون إلى امتحان جماعي للمسلمين، وخصوصًا السنّة، يُطالَبون فيه بإثبات براءتهم قبل أن يُسمح لهم بأن يكونوا ضحايا أيضًا؟
الهجوم على أناس آمنين في جنازة داخل كنيسة، إن ثبتت تفاصيله كما أُعلن، ليس مجرد اعتداء على مكان عبادة أو على جماعة دينية. إنه اعتداء على حرمة الموت، وعلى حق الإنسان في أن يودّع أحبّاءه من دون خوف، وعلى فكرة الدولة التي يفترض أن تحمي مواطنيها بصرف النظر عن دينهم ومذهبهم. إنه فعل جبان ومدان، لا تخفّف من بشاعته أي ذريعة، ولا تمنحه أي قضية سياسية أو دينية شرعية.
لكن المأساة لا تنتهي عند موقع الانفجار أو عند أسماء الضحايا. فبعد كل جريمة من هذا النوع، تبدأ معركة أخرى: معركة تفسير الجريمة، وتحديد المسؤولية، ومنع المجرم من الاختباء خلف جماعة كاملة لم ترتكب جريمته.
وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجرأة.
لماذا يُطلَب من المسلم أن يعتذر عن جريمة لم يرتكبها؟
عندما يرتكب متطرف جريمة ويرفع شعارًا دينيًا، يجد ملايين المسلمين أنفسهم فجأة أمام محكمة معنوية مفتوحة. يُسألون: لماذا لا تدينون؟ أين أصواتكم؟ ماذا فعلتم لمواجهة التطرف؟ وكأن إيمانهم نفسه موضع اشتباه، وكأن على كل مسلم أن يقدم شهادة حسن سلوك في كل مرة يقتل فيها مجرم باسم الإسلام.
من حق الناس أن يطالبوا القيادات الدينية والسياسية بمواقف واضحة، ومن حق المجتمع أن ينتظر من المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية مواجهة التحريض والكراهية. لكن هناك فرقًا جوهريًا بين المطالبة بموقف مسؤول، وبين تحميل ملايين البشر مسؤولية جماعية عن جريمة لم يشاركوا فيها.
المسؤولية تُحدَّد بالفعل والدليل، لا بالهوية والمذهب.
المسلم السنّي الذي يرفض قتل الأبرياء ليس متهمًا يحتاج إلى تبرئة نفسه. والمسيحي الذي يخاف على كنيسته ليس خصمًا للمسلمين. والشيعي الذي يرفض التكفير ليس مسؤولًا عن جرائم جماعات تدّعي تمثيله. لا أحد يرث ذنبًا لمجرد انتمائه، ولا يصبح الإنسان شريكًا في جريمة لمجرد أن المجرم يتحدث بلغته الدينية.
فإذا كان المطلوب من المسلم أن يرفض الإرهاب، فإن هذا الرفض واجب أخلاقي وإنساني، لا اعتراف ضمني بالمسؤولية. وإذا كان المطلوب من المسيحي أن يطمئن إلى جيرانه المسلمين، فلا ينبغي أن يُترك وحيدًا في مواجهة خطاب يزرع الشك بين المواطنين.
السنّة ليسوا كتلة واحدة، ولا يجوز تحويلهم إلى متهم دائم
في الشرق الأوسط، يعيش المسلمون السنّة داخل مجتمعات متنوعة، تختلف سياسيًا وفكريًا واجتماعيًا. بينهم من يدافع عن الدولة المدنية، ومن يعمل في المؤسسات الدينية، ومن يواجه التطرف، ومن يدفع ثمن الحروب والإرهاب والنزوح، ومن فقد أبناءه على أيدي جماعات متشددة.
لذلك فإن اختزالهم في صورة واحدة ليس تحليلًا جادًا، بل ظلمٌ يطمس الواقع.
نعم، يجب مواجهة التيارات التي تبرّر التكفير أو تحرّض على قتل المختلف. ونعم، ينبغي مساءلة كل من يموّل العنف أو يحرّض عليه أو يسهّل ارتكابه، مهما كانت هويته. لكن هذه المواجهة تفقد عدالتها حين تتحوّل من ملاحقة المسؤولين إلى الاشتباه بجماعة دينية كاملة.
والأخطر أن هذا التعميم يخدم المتطرفين أنفسهم. فعندما يشعر المواطن المسلم بأنه متهم سلفًا، وأن هويته موضع محاكمة دائمة، يستطيع المتطرف أن يستثمر الإهانة والعزلة لبثّ روايته المسمومة: أن العالم يعاديه بسبب دينه، وأن الاعتدال لا يحميه من الاتهام. وهكذا تتحوّل الأحكام الجماعية، بدل أن تحاصر التطرف، إلى مادة دعائية يمكن أن يستغلها.
هذه ليست دعوة إلى الصمت، ولا إلى التهوين من خطر الأيديولوجيات المتشددة. إنها دعوة إلى توجيه الاتهام إلى مكانه الصحيح: نحو المحرّض والفاعل والمموّل، لا نحو الملايين الذين لا يجمعهم بالمجرم سوى اسم دينه.
لكن ماذا عن المسلمين الذين يدينون الإرهاب؟
ثمة حقيقة تستحق أن تُقال بوضوح: كثير من المسلمين يرفضون هذه الجرائم، وكثيرون يعيشون هم أيضًا تحت تهديد الجماعات المتطرفة أو يدفعون أثمانًا باهظة بسببها. لكن رفض الإرهاب لا ينبغي أن يبقى مجرد بيان يصدر بعد كل هجوم، ثم يتلاشى حتى تقع الجريمة التالية.
المطلوب أعمق من الإدانة اللفظية: خطاب ديني يرفض التكفير بلا مواربة، ومناهج تعليمية تحمي التفكير النقدي، ومؤسسات لا تتسامح مع التحريض، وقوانين تُطبّق على الجميع، وإعلام يميّز بين النقد المشروع والتحريض على الكراهية.
وفي المقابل، يجب ألّا يتحول المسلمون إلى فريق يُطالَب في كل مرة بإصدار بيان دفاعي، فيما تُعفى المؤسسات والدول والمنصات الإعلامية من مسؤولية فحص خطابها ومواقفها. فالمعركة ضد التطرف مسؤولية مشتركة، وإن كانت مسؤولية من يملك سلطة التأثير والقرار أكبر من مسؤولية المواطن العادي.
من يحمي المسيحيين في الشرق الأوسط؟ ومن يحمي حقهم في البقاء؟
لا يحتاج المسيحي في المشرق إلى منّة كي يعيش في أرضه، ولا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره ضيفًا يحتاج إلى إذن من الأكثرية. إنه مواطن كامل الحقوق، له الحق نفسه في الأمان والعبادة والمشاركة في الحياة العامة.
كما لا يجوز أن يصبح الدفاع عن المسيحيين مناسبة لاتهام المسلمين جميعًا، تمامًا كما لا يجوز استخدام معاناة المسلمين لتبرير الاعتداء على المسيحيين. فحقوق الإنسان ليست صفقة متبادلة، ولا تُمنح لطائفة مقابل صمت طائفة أخرى.
إن حماية الكنائس والمساجد، ومحاسبة من يستهدف دور العبادة، وصون حرية الاعتقاد، ليست امتيازات طائفية؛ إنها واجبات أساسية على الدولة. وأي اعتداء على جماعة دينية بسبب هويتها يختبر قدرة الدولة على حماية مواطنيها، لا قدرة جماعة أخرى على إثبات براءتها.
والأخطر من الجريمة نفسها أن تتحول إلى شرخ دائم بين الجيران. فالمجرم يريد أن يقتل ضحاياه، لكن أثر جريمته قد يمتد إلى ما هو أبعد: أن يجعل الناس يشكّون في بعضهم، وأن يحوّل الاختلاف الديني إلى خوف متبادل، وأن يزرع في المجتمع اقتناعًا بأن العيش المشترك لم يعد ممكنًا.
هنا يجب ألّا نمنحه انتصارًا ثانيًا.
لا تُحاربوا الإرهاب بصناعة متهمين جدد
بعد كل اعتداء، يكون الغضب مفهومًا، ويكون الحزن مشروعًا، وتكون المطالبة بالعدالة حقًا. لكن الغضب إذا تحوّل إلى تعميم طائفي، صار ظلمًا جديدًا يُضاف إلى الظلم الأول.
المطلوب ليس تخفيف الإدانة، بل جعلها أكثر دقة. ليس حماية المجرمين من المساءلة، بل ضمان ألّا يفلت المسؤول الحقيقي من العقاب بسبب ضجيج الاتهامات الجماعية. وليس إسكات الأسئلة الصعبة، بل طرحها على من يملك معلومات وأدلة وصلاحيات، بدل توجيهها إلى مواطن لم يرتكب شيئًا.
إذا كان هناك تنظيم يقف وراء هجوم، فيجب كشفه بالأدلة. وإذا كانت هناك شبكات تمويل أو تحريض، فيجب محاسبتها. وإذا ثبت أن خطابًا دينيًا أو سياسيًا أسهم في صناعة العنف، فيجب مواجهته بلا مجاملة. أما قبل ظهور الحقائق، فإن تحويل الشك إلى إدانة مسبقة لا يحقق العدالة؛ بل يضعفها.
لا حصانة باسم الدين، ولا إدانة باسم الطائفة.
السؤال الأخير: أي شرق أوسط نريد؟
هل نريد شرقًا أوسط يُسأل فيه كل مسلم عن جريمة متطرف، وكل مسيحي عن موقف سياسي، وكل مواطن عن تصرف شخص يشبهه في الاسم أو الهوية؟ أم نريد مجتمعات يُحاسَب فيها الإنسان على فعله، ويُحمى فيها المختلف بالقانون، ويكون فيها الانتماء الديني حقًا لا تهمة؟
إن إدانة استهداف المسيحيين لا تكتمل بإعلان الحزن عليهم، بل بالدفاع عن حقهم في العيش بأمان ومساواة. كما أن رفض تحميل السنّة ذنب جماعات متطرفة لا يكتمل بالاعتراض على التعميم، بل بمواجهة كل خطاب يحوّل الدين إلى أداة لتبرير قتل الأبرياء.
المعادلة ليست معقدة: من يقتل يُحاسَب، ومن يحرّض يُواجَه، ومن يموّل العنف يُلاحَق، والضحايا تُصان كرامتهم، والمواطن البريء لا يُستجوب بسبب هويته.
لا تطلبوا من المسلمين أن يعتذروا عن دينهم، ولا تطلبوا من المسيحيين أن يتعايشوا مع الخوف. اطلبوا من الجميع أن يقفوا مع الحق، واطلبوا من الدولة أن تحقق العدالة، ومن المؤسسات أن تواجه التحريض، ومن المجتمع ألّا يسمح للمجرم بأن يختار ضحاياه مرة، ثم يختار أعداءهم مرة أخرى.
فالمعركة الحقيقية ليست بين المسلمين والمسيحيين، ولا بين السنّة وسواهم. إنها بين من يريد للمجتمع أن يتسع لجميع أبنائه، ومن يريد تحويل اختلافهم إلى سلاح.
وفي هذه المعركة، لا يكون الانتصار بكثرة بيانات الإدانة وحدها، بل بأن يصبح قتل الإنسان بسبب دينه جريمة لا تجد تبريرًا، وبأن يصبح اتهام الإنسان بسبب دينه ظلمًا لا يجد تصفيقًا.
ذلك هو الاختبار الحقيقي: أن نرفض الجريمة من دون تردد، ونرفض التعميم من دون خوف، ونحمي حق كل إنسان في أن يعيش مواطنًا كامل الكرامة، لا متهمًا بهويته.