تغيير التوقيت الموسمي... حسابات معقدة بين الوفر والتكلفة
ساعة إضافية من الضوء بعد العمل قد تشجع شخصاً على التسوق، فيما تعني صباحاً أكثر ظلمة لشخص آخر يبدأ يومه باكراً. وحين تتغير عقارب الساعة، تتبدل مواعيد استخدام الطاقة والتنقل والإنفاق، فتتوزع المكاسب والتكاليف بين الأسر والشركات والقطاعات.ومع عودة لبنان ودول أوروبية إلى التوقيت الشتوي الأحد في 25 تشرين الأول-أكتوبر 2026، يتجدد السؤال عن الجدوى الاقتصادية لهذا النظام. لكن الإجابة تتطلب التمييز بين أثر الانتقال مرتين سنوياً، وأثر اعتماد التوقيت الصيفي طوال أشهر، واختيار توقيت ثابت على مدار السنة.الدول العربية... سياسات مختلفة وحسابات محليةلا تتبع الدول العربية نموذجاً واحداً. في لبنان ينتهي التوقيت الصيفي ليل 24-25 تشرين الأول. وفي مصر، ينص قانون أُقِر في عام 2023 على تقديم الساعة ستين دقيقة من الجمعة الأخيرة في نيسان-أبريل حتى نهاية الخميس الأخير في تشرين الأول من كل سنة. الأردن، فقرر في عام 2022 تثبيت التوقيت الصيفي طوال العام، مستنداً إلى دراسة حكومية عن الاستفادة من ضوء النهار وتقليص ساعات الدوام الواقعة مساءً. لكن تثبيت التوقيت لا يمنع تعديل ساعات بدء العمل، إذ عُدِّلت لاحقاً مواعيد دوام البلديات بما يتماشى مع القرار.وفي تطور أحدث، عاد المغرب إلى توقيت غرينتش في 20 أيلول-سبتمبر 2026، بموجب مرسوم ألغى النظام المعتمد منذ عام 2018 لإضافة ساعة إلى التوقيت القانوني. وقالت الحكومة إن القرار استجاب لمطالب المواطنين والمشاكل المرتبطة بالساعة الإضافية.هذه أمثلة على اختلاف السياسات، وليست دليلاً بحد ذاتها على تحقق وفور اقتصادية محددة. وهي توضح أن القرار يرتبط بمواعيد المدارس والعمل والراحة والعلاقة بالشركاء التجاريين، إلى جانب الطاقة.هل يوفر التوقيت الصيفي الكهرباء فعلاً؟الفكرة الأساسية هي نقل جزء من النشاط إلى ساعات الضوء الطبيعي، لتقليل الإنارة مساءً. لكن التدفئة والتكييف قد يغيّران النتيجة.قدّر تقرير لوزارة الطاقة الأميركية صدر في عام 2008 أن تمديد التوقيت الصيفي أربعة أسابيع خلال عام 2007 وفّر نحو 1.3 تيراواط ساعة، تعادل 0.03% من استهلاك الكهرباء السنوي. وهذه نتيجة تخص الأسابيع الإضافية، وليست تقديراً لمجمل أثر التوقيت الصيفي.وفي المقابل، وجدت دراسة عن ولاية إنديانا أن اعتماد التوقيت الصيفي رفع الطلب على الكهرباء المنزلية بنحو 1%، بعدما تجاوزت زيادة احتياجات التدفئة والتبريد وفور الإنارة. وقدّرت زيادة فواتير الأسر بنحو 9 ملايين دولار سنوياً، بأسعار فترة الدراسة.لذلك، لا يمكن نقل نسبة توفير من بلد إلى آخر. في الاقتصادات التي يشكل فيها التكييف حملاً كبيراً، قد تختلف الحصيلة عن البلدان الأبرد.وفي لبنان، يتطلب تقدير الأثر دراسة أنماط استخدام كهرباء الشبكة والمولدات والطاقة الشمسية. ولا تتيح المصادر المتوافرة حصيلة محلية حديثة يمكن الاستناد إليها لتحديد مقدار الوفر أو التكلفة.الضوء المسائي وسوق التسوق والترفيهقد تستفيد المتاجر والمطاعم والأنشطة الخارجية من الضوء بعد انتهاء الدوام، لكن حجم المكسب يحتاج إلى قياس.وجد معهد جيه بي مورغان تشيس، في دراسة منشورة في عام 2016، أن الإنفاق اليومي بالبطاقات للفرد في لوس أنجليس ارتفع 0.9% خلال الثلاثين يوماً التالية لبدء التوقيت الصيفي، مقارنة بفينيكس التي لا تغيّر ساعتها. وبعد العودة إلى التوقيت العادي، انخفض 3.5% بالمقارنة نفسها، وكان أكثر من ثلثي الانخفاض مرتبطاً بتراجع عدد المعاملات.لكن ذلك لا يعني خسارة الاقتصاد كله النسبة نفسها، فقد ينتقل الإنفاق إلى وقت آخر أو إلى التجارة الإلكترونية، كما أن مواعيد التسوق والمناخ والعادات الاجتماعية في الأسواق العربية قد تنتج سلوكاً مختلفاً.ما يشجع مستهلكاً على الخروج في مدينة معتدلة المناخ قد لا يحمل الأثر نفسه في مدينة يفضّل سكانها تأجيل التسوق إلى ما بعد انحسار الحر.تكلفة تغيير الساعة على العمل والصحةتقديم الساعة ربيعاً يختلف عن تأخيرها خريفاً، خصوصاً في أثر الانتقال على النوم والانتباه.وجدت دراسة إيطالية منشورة في عام 2023، باستخدام بيانات 2013-2017، ارتفاع إصابات العمل 2% خلال الأيام الثلاثة الأولى بعد الانتقال الربيعي، قبل تلاشي الأثر. وعند العودة إلى التوقيت العادي، انخفضت الإصابات بأكثر من 10%، لكن هذا الأثر كان مؤقتاً أيضاً وتلاشى خلال أسبوع. وتحمل الإصابات تكاليف علاج وغياب وتعويض.أما مراجعة علمية منشورة في عام 2026، شملت 157 دراسة من 36 دولة، فخلصت إلى وجود آثار متفاوتة في الصحة والسلامة، بدلاً من ضرر موحد في الحالات كلها. لذلك، لا يتوافر رقم عالمي ثابت يمكن اعتماده لخسائر الإنتاجية والصحة الناجمة عن تغيير الساعة.التنسيق الدولي جزء من الفاتورةيغيّراختلاف مواعيد الانتقال مؤقتاً الفارق الزمني بين الأسواق والشركاء، ما يستدعي تحديث جداول النقل والاجتماعات والأنظمة الرقمية.وتؤكد الحكومة الفنلندية أهمية توحيد موعد التغيير أوروبياً للنقل الجوي والسكك الحديد. ولا يزال إنهاء التغيير الموسمي موضع بحث داخل الاتحاد الأوروبي، مع دراسة يُنتظر إنجازها بحلول نهاية عام 2026؛ وبالتالي، لم يُحسَم إلغاؤه بعد.لا تضيف الساعة ضوءاً إلى النهار؛ هي تعيد توزيع وقت الاستفادة منه. والقرار الاقتصادي الأفضل يحتاج إلى حساب محلي يجمع الطاقة والمبيعات والسلامة ومواعيد العمل. فقد تتحقق وفور في بند وتظهر تكلفة في آخر، ويستفيد قطاع بينما يتحمل غيره العبء.
عندما تتغير عقارب الساعة بين التوقيت الصيفي والشتوي، لا يقتصر التأثير على الوقت وحده. بل ينسحب على أنماط استهلاك الطاقة والإنفاق والتنقل، مما يُحدث توزيعاً جديداً للمكاسب والخسائر بين الأسر والشركات والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
مع عودة لبنان ودول أوروبية إلى التوقيت الشتوي في الخريف المقبل، يعود النقاش حول جدوى هذا النظام. غير أن الإجابة الشاملة تتطلب التمييز بين تأثير التنقل مرتين سنوياً، والاستفادة من التوقيت الصيفي طوال الأشهر، واختيار توقيت موحد على مدار السنة.
تعتمد الدول العربية سياسات متباينة في التعامل مع هذه المسألة. فيما يعود لبنان إلى الساعة العادية في أواخر أكتوبر، تطبق مصر نظاماً قانونياً ثابتاً تقتصر فيه الساعة الإضافية على الفترة من نهاية أبريل إلى نهاية أكتوبر. وقررت الأردن تثبيت التوقيت الصيفي طوال العام بناءً على دراسة حكومية عن الاستفادة من ضوء النهار. أما المغرب فعاد إلى التوقيت المعياري في سبتمبر 2024 بعد إلغائه النظام السابق الذي استمر سنوات.
هذا التنوع في السياسات يعكس حقيقة أساسية: أن القرار يرتبط بعوامل محلية متعددة تشمل مواعيد المدارس والعمل، ساعات الراحة، العلاقات التجارية الخارجية، وبطبيعة الحال احتياجات الطاقة.
الفكرة الأساسية للتوقيت الصيفي تركز على نقل جزء من النشاط اليومي نحو ساعات الضوء الطبيعي، بهدف تقليل الحاجة للإنارة الصناعية مساءً. لكن توفير الكهرباء ليس مضموناً. دراسة أميركية من 2008 قدّرت أن تمديد التوقيت الصيفي لأربعة أسابيع وفّر حوالي 0.03% من الاستهلاك السنوي للكهرباء. بالمقابل، وجدت دراسات أخرى أن زيادة احتياجات التدفئة والتبريد قد تفوق وفور الإنارة، مما يرفع فاتورة الكهرباء المنزلية. التأثير يختلف حسب المناخ والجغرافيا، إذ تشكل أجهزة التكييف عبئاً كبيراً في المناطق الحارة.
في لبنان تحديداً، تقدير الأثر الفعلي يتطلب دراسة معمقة لأنماط الاستهلاك على مستوى الشبكة الموحدة والمولدات والطاقة الشمسية، وهو ما لا تتوفر حوله بيانات حديثة موثوقة.
من جهة أخرى، قد تستفيد المتاجر والمطاعم والأنشطة الخارجية من الضوء الإضافي بعد ساعات العمل، لكن قياس هذا الكسب يبقى صعباً. وجدت دراسة أن الإنفاق بالبطاقات يرتفع قليلاً في الأيام الأولى من التوقيت الصيفي، لكن هذا قد ينتقل إلى فترات أخرى أو ينزاح نحو التجارة الإلكترونية. كما أن العادات الاستهلاكية في الأسواق العربية قد تختلف عن السلوك في المدن الغربية المعتدلة المناخ.
التأثيرات الصحية للانتقال الموسمي لا تقل تعقيداً. دراسة إيطالية حديثة سجلت ارتفاعاً في إصابات العمل بنسبة 2% في الأيام الأولى بعد تقديم الساعة ربيعاً، بينما انخفضت الإصابات عند العودة للتوقيت العادي خريفاً. لكن مراجعة علمية شاملة أظهرت أن الآثار الصحية متفاوتة وليست موحدة، مما يعني عدم وجود رقم عالمي ثابت للخسائر.
إضافة إلى ذلك، تنطوي تغييرات التوقيت على تكاليف تنسيقية دولية. فاختلاف مواعيد الانتقال بين الدول يستدعي تحديث جداول النقل والاجتماعات والأنظمة الرقمية. داخل الاتحاد الأوروبي يجري نقاش مستمر حول إلغاء هذا النظام، مع دراسة في الطريق قد تحسم المسألة بحلول نهاية 2026.
في النهاية، تغيير الساعة لا يضيف ضوءاً إلى النهار، بل يعيد توزيع الوقت المتاح للاستفادة منه. القرار الاقتصادي الأمثل يتطلب حساباً محلياً يجمع بين متطلبات الطاقة والمبيعات والسلامة ومواعيد العمل. وقد يحقق نظام وفوراً في بند بينما يفرض تكلفة في آخر، ويستفيد قطاع على حساب قطاع آخر.