باريس تنتفض دفاعاً عن المستقبل… وبيروت تختنق تحت وطأة الانهيار!

بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم

باريس تنتفض دفاعاً عن المستقبل… وبيروت تختنق تحت وطأة الانهيار!

حين يتحوّل الاحتجاج إلى أداة للمساءلة في فرنسا، ويصبح الصمت في لبنان مؤشراً إلى أزمة تتجاوز لقمة العيش

في باريس، حين يشعر المواطن بأن مستقبل أبنائه مهدّد، تتحوّل الشوارع إلى منصّات للمواجهة السلمية، وتجد السلطة نفسها أمام مجتمع يطالب بحقوقه ويرفض أن يُترك مصيره رهينة القرارات السياسية. أمّا في لبنان، حيث تتآكل القدرة الشرائية، وتتراجع الخدمات، وتثقل الأزمات كاهل الناس، فيبدو المشهد أكثر قسوة: مجتمع يرزح تحت وطأة الانهيار، فيما يتراجع صوته الاحتجاجي أمام صراع يومي لا ينتهي من أجل البقاء.

هنا تكمن المفارقة المؤلمة: شعبٌ يتحرّك خشية خسارة المستقبل، وشعبٌ يُستنزف حتى يكاد يفقد القدرة على الدفاع عن الحاضر والمستقبل معاً.

لكنّ المقارنة بين باريس وبيروت لا ينبغي أن تتحوّل إلى محاكمة أخلاقية للبنانيين؛ فالصمت ليس دائماً رضوخاً، كما أنّ الاحتجاج ليس دائماً دليلاً على امتلاك الحلول. بين المشهدين اختلافات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. غير أنّ السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: لماذا لا يتحوّل الغضب المتراكم في لبنان إلى ضغط شعبي منظّم قادر على فرض المحاسبة والتغيير؟

قد تكمن الإجابة في إنهاك المجتمع، وتراجع الثقة بالقوى السياسية، والانقسامات التي تفتّت المطالب المشتركة، فضلاً عن الخوف من خسارة ما تبقّى من استقرار اقتصادي واجتماعي هشّ. وحين ينشغل المواطن بتأمين احتياجاته الأساسية، يصبح الاحتجاج بالنسبة إليه مخاطرة إضافية، لا فعلاً مضمون النتائج. وهكذا، لا يغيب الغضب بالضرورة، بل يُحاصر ويتشتّت، فيما تستفيد منظومة الأزمة من غياب ضغط مستدام يفرض عليها تقديم الحساب.

غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في الصمت وحده، بل في تحوّله إلى نمط حياة، وفي انتقال المجتمع من رفض الانهيار إلى التكيّف معه. فعندما يصبح الغلاء أمراً مألوفاً، وتراجع الخدمات واقعاً يومياً، وهجرة الشباب خياراً شبه طبيعي، تتجاوز الأزمة حدود الاقتصاد لتصيب علاقة المواطن بوطنه وبفكرة الدولة نفسها.

إنّ الدول لا تُقاس بقدرتها على امتصاص غضب شعوبها فحسب، بل بقدرتها على الاستجابة لمطالبهم وتصحيح مساراتها. والاحتجاج، حين يكون سلمياً ومنظّماً ومستنداً إلى مطالب واضحة، ليس تهديداً للاستقرار؛ بل قد يكون إحدى الوسائل الضرورية لحمايته من التآكل والانفجار.

لبنان لا يحتاج إلى غضب عابر ينتهي بانتهاء التجمّعات، ولا إلى شعارات تتبدّد عند أول اختبار، بل إلى وعي مدني عابر للانقسامات، يربط المطالب المعيشية بالمساءلة السياسية، ويحوّل التذمّر الفردي إلى إرادة جماعية قادرة على المطالبة بالحقوق ومحاسبة المسؤولين.

فالمأساة ليست أن يجوع المواطن فحسب، بل أن يفقد ثقته بأن صوته قادر على تغيير شيء. وليست المشكلة أن يصمت الشارع اليوم، بل أن يقتنع غداً بأن الصمت هو قدره الوحيد.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل ما زال الصمت اللبناني مجرّد انعكاس للإنهاك والعجز، أم أنّه بات يوفّر، من حيث لا يدري، المساحة اللازمة لاستمرار النهج نفسه الذي أوصل البلاد إلى هذا المأزق؟

باريس تذكّر بأن الحقوق تحتاج إلى من يدافع عنها، وبيروت تطرح السؤال الأصعب: متى يتحوّل وجع الناس من معاناة فردية صامتة إلى إرادة وطنية منظّمة تفرض المحاسبة وتفتح طريق الإنقاذ؟

فالأوطان لا تنهض بانتظار أن يتغيّر الواقع من تلقاء نفسه، ولا تُستعاد كرامة المواطن بالتعايش الدائم مع خسارته. وحين يصبح الانهيار مألوفاً، لا يعود الخطر في سقوط الدولة وحده، بل في أن يفقد المجتمع إيمانه بإمكانية النهوض.