واشنطن بعد الانتخابات: من يقيّد ترامب… ومن يملك قرار الشرق الأوسط؟

بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري

واشنطن بعد الانتخابات: من يقيّد ترامب… ومن يملك قرار الشرق الأوسط؟

ليست الانتخابات النصفية الأميركية مجرد معركة على مقاعد في الكونغرس، ولا يُختصر معناها في انتصار الديمقراطيين أو خسارة الجمهوريين. إنها، في جوهرها، اختبار لمعادلة السلطة في واشنطن: إلى أي مدى يستطيع دونالد ترامب أن يحكم منفرداً، وماذا يحدث عندما يصبح البيت الأبيض في مواجهة كونغرس لا يشاركه أولوياته؟

إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب، مع احتفاظ الجمهوريين بمجلس الشيوخ، فلن يكون ذلك نهاية ولاية ترامب السياسية، لكنه سيعني انتقاله إلى مرحلة أكثر تعقيداً. فالرئيس سيبقى ممسكاً بأدوات السلطة التنفيذية، فيما يمتلك خصومه منصة للرقابة والتحقيق وتعطيل بعض التشريعات والضغط على الإدارة. إنها معادلة تقييد لا إسقاط، ومواجهة مؤسساتية لا انقلاب في موازين الحكم.

لكن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن انعكاس هذه المعادلة سيظهر بالدرجة نفسها في السياسة الخارجية. فحين يتعلق الأمر بإيران، لا تتحرك واشنطن وفق حسابات الحزب وحدها، بل وفق تقديرات الأمن القومي وموازين الردع ومصالح الولايات المتحدة وحسابات حلفائها. قد يرفع الكونغرس كلفة التصعيد، ويضيّق هامش المناورة، ويفرض نقاشاً أوسع حول الحرب وتداعياتها، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى مركز قيادة بديل عن البيت الأبيض.

وهنا تكمن خطورة الملف الإيراني: فالتصعيد ليس قراراً عسكرياً معزولاً، بل سلسلة خيارات قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها، من أمن الطاقة والممرات البحرية إلى احتمالات اتساع المواجهة إقليمياً. وقد يكتشف ترامب أن امتلاك القدرة على بدء المواجهة لا يعني امتلاك القدرة على التحكم بنهايتها.

أما في سوريا ولبنان وإسرائيل، فالتغيير المحتمل قد يكون أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً. قد تتبدل أدوات الضغط، وشروط المساعدات، ومسارات العقوبات، ومستويات الرقابة على قرارات الإدارة، من دون أن يعني ذلك انقلاباً في الثوابت الاستراتيجية الأميركية. فواشنطن قد تختلف داخلياً على طريقة إدارة نفوذها، لكنها لا تتخلى بسهولة عن مصالحها ومواقعها وتحالفاتها.

ومن الضروري هنا التمييز بين خطاب الحزبين وممارستهما. فالديمقراطيون ليسوا بالضرورة مشروعاً مضاداً لسياسات ترامب في الشرق الأوسط، كما أن الجمهوريين ليسوا كتلة متطابقة في كل خياراته. في الملفات الكبرى، قد تتراجع الخلافات الحزبية أمام حسابات الأمن والمصالح والتحالفات، حتى لو احتدمت المعركة في الداخل الأميركي.

المسألة، إذاً، ليست من يربح الانتخابات فحسب، بل من يحدد حدود القرار الأميركي بعدها. فالبيت الأبيض يمتلك المبادرة التنفيذية، والكونغرس يمتلك أدوات المال والتشريع والرقابة، وبينهما تتشكل السياسة التي ستنعكس على المنطقة.


أن خسارة ترامب لمجلس النواب، إن حدثت، قد تقيّد حركته في واشنطن، لكنها لن تنزع منه تلقائياً القدرة على التأثير في الشرق الأوسط. والتحدي الحقيقي لن يكون في عدد المقاعد التي يخسرها أو يربحها، بل في قدرته على تحويل القوة الأميركية إلى نتائج سياسية قابلة للاستمرار.

أما السؤال الذي ينبغي أن يشغل عواصم المنطقة، فليس فقط: من سيسيطر على الكونغرس؟ بل: هل ستؤدي المواجهة الداخلية في واشنطن إلى سياسة أميركية أكثر توازناً، أم إلى إدارة أكثر ارتباكاً لأزمات المنطقة، حيث تتبدل الحسابات فيما تبقى الشعوب أمام كلفة الصراع؟