محمد بن سلمان ولبنان: ماذا بعد تغييب سعد الحريري؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
ليس من السهل طرح أسئلة على عواصم القرار، ولا من الحكمة فعل ذلك بلغة الاتهام أو الشعبوية. لكن السياسة الجدية لا تُدار بالصمت، بل بالمراجعة. ومن هذا المنطلق، يفرض الواقع اللبناني سؤالًا مشروعًا، هادئًا في لغته، عميقًا في مضمونه: ماذا بعد تغييب سعد الحريري عن المشهد السياسي اللبناني؟
هذا السؤال لا يُطرح من موقع الخصومة مع المملكة العربية السعودية، ولا من باب المزايدة، بل من زاوية قراءة النتائج. فمحمد بن سلمان، بما يمثّله من ثقل قيادي ورؤية إقليمية، يقود سياسة قائمة على الحسابات الاستراتيجية لا العواطف. ومن هنا، يصبح السؤال عن لبنان جزءًا من نقاش أوسع حول الاستقرار، والاعتدال، والتوازنات في المنطقة.
الوقائع السياسية تشير إلى أن سعد الحريري لم يخرج يومًا عن موقعه العربي، ولم يصالح خصوم المملكة، ولم ينخرط في مشروع الممانعة، ولم يمنح غطاءً سياسيًا لمن استهدفوا الرياض لسنوات. بل على العكس، تحمّل كلفة داخلية كبيرة بسبب تمسّكه بخيار التسوية ومنطق الدولة، في بلد تحكمه معادلات قسرية تفوق قدرات أي زعيم منفرد.
في المقابل، لم تُقدِم الرياض على مصالحة مع قوى الممانعة، ولم تبدّل موقفها الاستراتيجي، ولم تمنح شرعية لمن هاجموها سياسيًا وإعلاميًا. ومع ذلك، انتهى المشهد اللبناني إلى نتيجة واحدة واضحة: غياب المرجعية السنّية المعتدلة الوحيدة التي امتلكت تمثيلًا شعبيًا وطنيًا واسعًا.
هنا لا بد من التوقّف عند النتائج، لا عند النوايا.
فبعد تغييب سعد الحريري، هل تقدّم مشروع الدولة في لبنان؟
هل تراجع نفوذ خصوم المملكة؟
هل استعاد لبنان توازنه العربي؟
الجواب، بكل هدوء ووضوح، هو: لا.
ما حدث هو العكس تمامًا. دخلت الطائفة السنية فراغًا سياسيًا غير مسبوق، تراجعت لغة الاعتدال، وتآكلت فكرة الشراكة الوطنية التي قام عليها اتفاق الطائف. ولم يملأ هذا الفراغ بديل وطني جامع، بل تُرك مفتوحًا على مزيد من التفكك والانكشاف.
الشارع السنّي اللبناني، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، لا يزال يرى في سعد الحريري مرجعيته السياسية. ليس لأن الرجل بلا أخطاء، بل لأن التجربة أثبتت أن البدائل المطروحة إما مشتتة، أو ظرفية، أو بلا مشروع وطني قادر على إدارة التوازنات الدقيقة في لبنان.
السياسة تُقاس بالنتائج. ونتيجة تغييب الحريري لم تكن تقوية الاعتدال، بل إضعافه. لم تكن تعزيز الاستقرار، بل تعميق الفراغ. ولم تكن تحجيم الخصوم، بل ترك الساحة أكثر هشاشة وأقل توازنًا.
من هنا، يصبح السؤال إلى القيادة السعودية، وتحديدًا إلى ولي العهد محمد بن سلمان، سؤالًا استراتيجيًا لا شخصيًا:
هل يمكن للبنان أن يستعيد استقراره من دون مرجعية سنّية معتدلة؟
وهل كان تغييب سعد الحريري خطوة محسوبة النتائج، أم مسارًا يحتاج إلى مراجعة هادئة؟
هذا المقال ليس دفاعًا عن شخص، ولا دعوة إلى عودة غير مشروطة، ولا تحميلًا للمملكة مسؤولية الانهيار اللبناني. بل هو دعوة إلى قراءة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. فلبنان، بتعقيداته، لا يحتمل الفراغ طويلًا، ولا يستقر من دون توازناته الأساسية.
في السياسة، يمكن تغيير اللاعبين،
لكن لا يمكن تجاهل قواعد اللعبة.
وسؤال الحريري سيبقى مطروحًا،
لأن تغييب الاعتدال لا يصنع استقرارًا،
بل يؤجّل الانفجار.