حين تضحك السياسة على نفسها: من صحّاف بغداد إلى مسرح واشنطن

خاص مراسل نيوز بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

حين تضحك السياسة على نفسها: من صحّاف بغداد إلى مسرح واشنطن

عندما يتحوّل الخطاب السياسي إلى كوميديا سوداء

في التاريخ السياسي، لا تسقط الأنظمة فقط بالدبابات، بل أحيانًا تسقط أولًا بالكلمات.

وحين تنفصل اللغة عن الواقع، يتحول الخطاب الرسمي من أداة سلطة إلى مادة سخرية… ومن وثيقة سياسية إلى شاهد إدانة.

محمد سعيد الصحّاف لم يكن مجرد وزير إعلام عراقي عام 2003،

كان ظاهرة سياسية–نفسية:

رجل يقف أمام العالم، يعلن النصر، فيما كانت الهزيمة تُبَث مباشرة على الهواء.

اليوم، وبعد أكثر من عشرين عامًا، يعود السؤال نفسه بصيغة مختلفة:

هل انتهى زمن “الصحّافيين السياسيين”، أم أنهم فقط غيّروا الجغرافيا واللهجة؟

سنفوز… جملة تعرفها الهزائم جيدًا

“سنتخذ إجراءات قوية جدًا… وسنفوز”

فإن المشكلة ليست في الجملة،

بل في توقيتها، وسياقها، ووظيفتها.

هذه ليست لغة قرار،

بل لغة تطمين ذاتي تُستخدم

 عندما يكون القرار مكلفًا،

 والنتائج غير مضمونة.

تمامًا كما قال الصحّاف

“لا وجود للقوات الأمريكية في بغداد

لم يكن ينفي الواقع،

بل كان يحاول تأجيل الاعتراف به

من إنكار الدبابات… إلى إنكار المشانق

الصحّاف أنكر ما تراه العيون.

ترامب اليوم يُقلل من شأن ما تخشاه الضمائر.

“أُبلغنا أن الإعدامات لن تحدث”

مصادر؟ غير معلنة.

ضمانات؟ غير موجودة.

لكن التصريح خرج… لأن الهدف ليس الحقيقة، بل إدارة الصورة.

الرسالة ليست:

“نحن نعرف”

بل:

“نحن نريد أن نُصدّق”

وهنا تبدأ السخرية السوداء.

الصحّاف كان صريحًا… وترامب أكثر ذكاءً

الفرق الجوهري بين الرجلين أن:

الصحّاف كان يصرخ،

ترامب يبتسم وهو يهدد.

لكن كلاهما يستخدم الأسلوب نفسه: رفع سقف الخطاب لتعويض هشاشة الواقع.

الصحّاف كان يخاطب شعبًا محاصرًا.

ترامب يخاطب:

إعلامًا متعطشًا،

حين تتحول القوة إلى عرض إعلامي

السياسة هنا لا تُدار في غرف العمليات،

بل أمام الكاميرات.

كل كلمة محسوبة،

كل تهديد مصاغ ليبدو حاسمًا… دون أن يكون ملزمًا.

وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: الدول لا تنهزم حين تخسر المعارك فقط،

بل حين تصدّق خطابها أكثر مما تصدّق الوقائع.

السخرية لا تقتل الأنظمة… لكنها تفضحها محمد سعيد الصحّاف دخل التاريخ بوصفه رمزًا للإنكار السياسي.

ودونالد ترامب، حتى الآن، ما زال يقف على الحافة الفاصلة بين:

رجل دولة

وشخصية كاريكاتورية تصنعها المبالغة.

ليس لأن ترامب ضعيف،

بل لأن الخطاب حين يتضخم أكثر من الواقع… ينقلب على صاحبه.

التاريخ لا يرحم من يعلن النصر قبل أن ينتهي الغبار،

ولا ينسى أولئك الذين حاولوا تغطية الحقائق بصوت عالٍ.

والسؤال الذي سيبقى: هل سيتذكر العالم هذا الخطاب كرسالة قوة؟

أم كنسخة أمريكية أنيقة… من محمد سعيد الصحّاف؟