سعد الحريري والسعودية: حين يقول الشارع السني كلمته وتسقط محاولات تجاوز التمثيل
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
لم يعد ممكنًا تجاهل ما يتبلور اليوم في الشارع السني اللبناني، لأن ما يجري لم يعد مجرّد تململ سياسي أو نقاش نخبوي، بل تحوّل إلى موقف عام صريح يعبّر عن رفض قاطع لمحاولات تهميش إرادة الناس ومصادرة تمثيلهم تحت عناوين التسويات والبدائل المصنّعة.
الشارع السني، الذي جرى التعامل معه في السنوات الأخيرة وكأنه كتلة قابلة للتفكيك أو الإلحاق، يعلن بوضوح أن مرحلة الفراغ لم تعد مقبولة، وأن تجارب ما بعد غياب سعد الحريري لم تنتج سوى ضعف في الشرعية، وارتباك في القرار، وانكشاف سياسي غير مسبوق
ما يُطرح اليوم ليس عودة إلى الوراء ولا استعطافًا لزعيم غائب، بل رفض حاسم لإهانة سياسية مستمرة، عنوانها محاولة فرض قيادات لا تملك وزنًا شعبيًا ولا قدرة تمثيلية، ولا تحظى بثقة الشارع الذي يُفترض أنها تتحدث باسمه.
فشل هذه المحاولات لم يعد موضع نقاش، بل حقيقة أثبتتها الوقائع، من عجز في توحيد الموقف، إلى هشاشة في الاستقلالية، وصولًا إلى تساؤلات أخلاقية خطيرة حول كيفية صناعة القرار السياسي.
في هذا المشهد، يبرز سعد الحريري كحقيقة سياسية لا يمكن شطبها بمرور الوقت ولا بتبدّل المزاج الإقليمي، إذ بقي، رغم الاعتكاف والغياب، العنوان الأكثر حضورًا في الوعي السني، والمرجعية الوحيدة القادرة على استعادة الحد الأدنى من التوازن الوطني.
الشارع لا يطالب بمعجزة ولا بزعامات منقذة، بل يطالب بشيء بديهي في أي نظام سياسي سليم: تمثيل حقيقي نابع من الناس لا مفروض عليهم.
ومن هنا، فإن الرسالة التي يوجّهها هذا الشارع إلى العالم العربي، وخصوصًا إلى المملكة العربية السعودية، ليست رسالة تحدٍّ بل رسالة واقع، مفادها أن إدارة العلاقة مع الطائفة السنية في لبنان لا يمكن أن تنجح إذا استمرت في تجاهل خياراتها الشعبية الفعلية، وأن تجاوز سعد الحريري لم يؤدِّ إلى ملء الفراغ بل إلى تعميقه.
فالشراكة السياسية لا تُبنى على الرغبات ولا على التجارب الفاشلة، بل على قراءة دقيقة لموازين الداخل واحترام الإرادة العامة.
وتشير معطيات متداولة إلى أن الأيام المقبلة قد تشهد تحركات شعبية سلمية تعبّر عن هذا الموقف، لا كأداة ضغط فوضوية، بل كصوت سياسي واضح يطالب بعودة سعد الحريري إلى لبنان وإلى موقعه الطبيعي في الحياة العامة، باعتبار ذلك مدخلًا لإعادة تصويب المسار لا انقلابًا على الدولة أو المؤسسات.
إن خطورة اللحظة الراهنة لا تكمن في ارتفاع الصوت، بل في تجاهله، لأن لبنان، بتكوينه الهش، لا يحتمل مزيدًا من إدارة الفراغ ولا مزيدًا من الشرعيات المعلّقة.
من لا يسمع اليوم نبض الشارع السني، قد يجد نفسه غدًا أمام واقع سياسي أكثر تعقيدًا، لأن السياسة التي تُدار بعكس إرادة الناس لا تنتج استقرارًا، والشرعية التي لا تستند إلى تمثيل حقيقي تبقى ناقصة مهما طال الزمن.