دويلات الكابلات تُستباح طرابلس: مافيا المولدات تتمدّد فوق أنقاض الدولة الغائبة
في طرابلس، لم تعد الكهرباء أزمة خدمات فحسب، ولم تعد المولدات الخاصة مجرد حلّ مؤقت لانقطاع التيار. ما يجري في شوارع عاصمة الشمال أخطر من ذلك بكثير: حين تغيب الدولة، يبدأ من يملأ الفراغ ببناء دولته الخاصة.
وهكذا تحولت بعض أحياء طرابلس إلى مساحة مفتوحة لشبكات الكابلات العشوائية، والأعمدة غير المرخصة، والتعديات على الأرصفة والأملاك العامة، فيما يجد المواطن نفسه محاصراً بين حاجته إلى الكهرباء وعجزه عن الاعتراض.
المشكلة ليست في وجود المولد بحد ذاته، بل في أن يتحول صاحب المولد إلى صاحب نفوذ وخدمات وحدود، وأن يصبح الحي منطقة نفوذ لا يدخلها المنافس، ولا تُطبَّق فيها القوانين بالقدر نفسه الذي تُطبَّق فيه على المواطن العادي.
من مولّد إلى إقطاعية
عندما تُمدّد الكابلات فوق الشوارع وتُثبت الأعمدة من دون رقابة، وتُحفر الأرصفة من دون معالجة، وتتراكم الأسلاك بطريقة تهدد السلامة العامة، فإننا لا نكون أمام مخالفة منفردة، بل أمام مشهد يكشف خللاً أعمق: من أعطى حق الاستباحة؟ ومن سمح بتحويل المرفق العام إلى مساحة نفوذ خاصة؟
الأخطر أن المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة بسبب غياب كهرباء الدولة، ومرة بسبب كلفة البديل الخاص.
وعندما تتحول الخدمة الأساسية إلى سوق مغلق، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام سوق خدمات أم أمام اقتصاد نفوذ؟
طرابلس لا تحتاج مزيداً من الدول الصغيرة
طرابلس ليست ملكاً لأصحاب المولدات، ولا للأحياء، ولا للمناطق، ولا لأي جهة قادرة على فرض أمر واقع.
المدينة ملك أهلها، وشوارعها وأرصفةها وأملاكها العامة ملك للمدينة والدولة، وحمايتها ليست منّة من أحد.
ومن هنا، فإن أخطر ما في ظاهرة الكابلات العشوائية ليس منظرها المشوّه فقط، بل الرسالة التي تبعثها: أن القانون يمكن تجاوزه عندما تكون الدولة غائبة، وأن النفوذ يمكن أن يحل مكان المؤسسات.
وهنا تبدأ الدولة بالتآكل من الداخل.
المطلوب ليس حملة مؤقتة
لا تحتاج طرابلس إلى إزالة بعض الكابلات في يوم واحد ثم عودة الفوضى بعد أسابيع. المطلوب قرار واضح يعيد تعريف العلاقة بين الدولة وأصحاب المولدات والمواطن.
تسعيرة واضحة، عدادات شفافة، تراخيص معلنة، رقابة فعلية، منع الاحتكار، إزالة التعديات على الأملاك العامة، ومحاسبة أي جهة تستعمل النفوذ أو القوة لفرض أمر واقع.
والأهم: تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء.
لأن الدولة التي تسمح بقيام مربعات خدماتية خارج القانون، لا تفقد فقط هيبتها؛ بل تفتح الباب أمام قيام منظومات موازية تتوسع كلما تراجعت هي.
السؤال الذي لا يمكن الهروب منه
ما يحدث في طرابلس يجب ألا يُختزل في مشكلة مولدات أو كابلات.
إنه اختبار حقيقي للدولة اللبنانية: هل تستطيع الدولة أن تستعيد شارعاً واحداً من الفوضى، أم أن الفراغ أصبح أقوى من مؤسساتها؟
فالمدينة التي تُترك فيها الأرصفة للكابلات، والشوارع للنفوذ، والخدمات للاحتكار، لا تعاني فقط من انقطاع الكهرباء.
إنها تعاني من انقطاع الدولة نفسها.
وإذا كان المطلوب إعادة بناء الدولة اللبنانية، فإن البداية لا تكون دائماً من القصور الحكومية والبيانات السياسية الكبرى.
أحياناً تبدأ من شارع في طرابلس، ومن كابل معلّق فوق رأس مواطن، ومن سؤال بسيط لكنه بالغ الخطورة:
من يحكم هذا الشارع؟ الدولة… أم دويلة الكابلات؟