طهران ترفع سقف المواجهة: إذا لم نكن آمنين.. فلن تكون بنى الشرق الأوسط آمنة
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
بينما يغادر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نيويورك عائداً إلى طهران، بعد اتصالات مكثفة ووساطات قطرية وباكستانية، ترفع إيران سقف رسائلها السياسية والعسكرية، في مشهد يجمع بين التفاوض تحت الضغط والتهديد بالتصعيد.
طهران، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض المقترح الإيراني، تقول إنها ما زالت تنتظر رداً رسمياً عبر الوسطاء. وهذه النقطة تكشف أن باب التفاوض لم يُغلق بالكامل، حتى وإن كانت المواقف العلنية تبدو أكثر تشدداً.
المقترح الإيراني نفسه يكشف حجم الفجوة بين الطرفين. فطهران طرحت خطة تشمل وقف الأعمال القتالية في إيران ولبنان، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، وإنهاء العقوبات على النفط، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.
لكن الرسالة الأكثر حساسية جاءت من داخل طهران.
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف حذّر من أنه إذا لم يُضمن أمن إيران، فلن تكون البنى التحتية آمنة، فيما وصف قائد الجيش أمير حاتمي مضيق هرمز بأنه «مضيق الكرامة والشرف»، محذراً من حرمان إيران من التجارة بينما يستمر الآخرون في استخدامها.
هذه التصريحات لا تعني بالضرورة أن إيران قررت تنفيذ هجمات أو إغلاق مضيق هرمز، لكنها تكشف انتقال التهديدات إلى مستوى أكثر اتساعاً: جعل كلفة الضغط على إيران إقليمية، وليس إيرانية فقط.
فالنفط والموانئ والطاقة وطرق التجارة تمثل شرايين الاقتصاد في الشرق الأوسط. وإذا انتقلت هذه التهديدات من الخطاب إلى الفعل، فلن يبقى الصراع محصوراً بين واشنطن وطهران.
في المقابل، تبدو واشنطن أيضاً متمسكة بهامش المناورة. ترامب يعلن رفض المقترح الإيراني، لكنه يتحدث في الوقت نفسه عن استمرار المفاوضات، فيما تتضارب التقارير حول احتمال تخفيف العقوبات مقابل خطوات إيرانية في الملف النووي.
ما وراء الكلمات أن الطرفين لا يزالان يختبران حدود بعضهما البعض.
إيران تقول إنها مستعدة للتفاوض، لكنها تريد ثمناً واضحاً للتهدئة. وواشنطن تريد خطوات إيرانية ملموسة قبل تقديم تنازلات. وبينهما تتحرك الوساطات لمنع انهيار المسار الدبلوماسي.
الخطر الحقيقي الآن ليس في شدة التصريحات وحدها، بل في احتمال أن تتحول لغة الردع إلى أفعال.
فإذا بقيت التهديدات ورقة تفاوض، فقد تظل الأزمة قابلة للاحتواء. أما إذا انتقلت إلى استهداف البنى التحتية أو طرق التجارة والطاقة، فإن قواعد المواجهة ستتغير، وقد تصبح المنطقة بأكملها جزءاً من الصراع.
وهنا تكمن الرسالة الأخطر من طهران: إذا لم يُضمن أمن إيران، فهي تلوّح بأن أمن المنطقة لن يكون مضموناً أيضاً.