عبد المسيح وأمثاله: نواب الهروب من الشعب وصنّاع التمديد المقنّع
بقلم هئية التحرير خاص مراسل نيوز
لم يعد التمديد في لبنان حدثًا طارئًا تفرضه الظروف، بل تحوّل إلى ثقافة سياسية، وإلى أسلوب حكم، وإلى انعكاس مباشر لأزمة ثقة عميقة بين السلطة والشعب. وما طرحه النائب أديب عبد المسيح تحت عنوان “التمديد الاستباقي”، ليس سوى إعلان صريح عن هذه الأزمة: خوف معلن من صندوق الاقتراع، وهروب منظّم من المحاسبة الشعبية.
حين يقترح نائب منتخب تأجيل العودة إلى ناخبيه لسنتين إضافيتين، فهو لا يدافع عن الدستور، كما يدّعي، بل يعترف ضمنيًا بأنه لم يعد يثق بأدائه، ولا بإنجازه، ولا بقدرته على مواجهة الناس.
السؤال ليس: هل الظروف صعبة؟ فالظروف في لبنان كانت دائمًا صعبة.
السؤال الحقيقي هو: لماذا أصبحت الانتخابات اليوم “مستحيلة”، فيما كانت ممكنة في أحلك مراحل الانهيار والانقسام والحروب؟
الجواب واضح: لأن بعض النواب باتوا يدركون أن صندوق الاقتراع لم يعد مضمون النتائج.
الأخطر من مشروع التمديد نفسه، هو الخطاب الذي يرافقه. خطاب يلمّح، أو يصرّح أحيانًا، بأن “المجتمع الدولي والعربي غير متحمّس لإجراء الانتخابات”، وكأن شرعية المجلس النيابي تُستمد من الخارج لا من الشعب.
أي فضيحة سياسية هذه؟
نائب في دولة يُفترض أنها سيّدة ومستقلة، يعترف علنًا بأن مستقبل ديمقراطيتها مرهون بإرادة دول أخرى، ثم يطالب اللبنانيين بالتصفيق لشعارات السيادة والاستقلال.
أي سيادة تُبنى على الاستئذان؟ وأي كرامة وطنية تُدار بالتقارير الدبلوماسية؟ وأي دولة هذه التي تُجمَّد إرادة شعبها بقرار غير لبناني؟
هنا، لا نتحدّث عن سوء تقدير، بل عن انهيار في المفهوم الوطني والسياسي.
في المقابل، جاء موقف رئيس الجمهورية واضحًا وحاسمًا: الانتخابات النيابية يجب أن تُجرى في موعدها الدستوري في أيار 2026. موقف يعيد الاعتبار لمنطق الدولة، ويضع حدًا لمحاولات الانقلاب الناعم على الدستور تحت عناوين “تقنية” و”استباقية”.
لكن المفارقة المؤلمة أن بعض من يهاجم هذا الموقف، هم من دخلوا البرلمان تحت راية “التغيير”.
أي تغيير هذا الذي يبدأ بالتمديد؟ وأي إصلاح يُبنى على تعطيل الديمقراطية؟ وأي ثورة هذه التي تنتهي بالتشبّث بالكراسي؟
هؤلاء لم يفشلوا فقط في تحقيق التغيير، بل فشلوا في الحفاظ على الحدّ الأدنى من المصداقية السياسية. تحوّلوا من معارضين إلى مهندسين للمنظومة نفسها، ومن دعاة محاسبة إلى محترفي تبرير، ومن صوت للناس إلى عبء عليهم.
التمديد ليس حلًا إداريًا. التمديد موقف سياسي جبان. التمديد اعتراف بالعجز. التمديد رسالة واضحة للشعب تقول: “نخاف من حكمكم علينا، فنؤجّله.”
لكن الشعوب لا تُؤجَّل. والديمقراطية لا تُعلَّق. والشرعية لا تُمدَّد.
لبنان لا يحتاج إلى نواب ينتظرون الضوء الأخضر من السفارات، ولا إلى ممثلين يقرأون التقارير الخارجية قبل قراءة نبض الشارع. لبنان يحتاج إلى مسؤولين يملكون شجاعة المواجهة، وشجاعة الاعتراف، وشجاعة الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.
اليوم، المعركة لم تعد سياسية فقط، بل أخلاقية ووطنية.
بين من يريد دولة يحكمها القانون، ومن يريد سلطة تحكمها المخاوف.
بين من يرى في الشعب مصدر الشرعية، ومن يراه خطرًا يجب تطويقه.
في أيار 2026، يجب أن يقول اللبنانيون كلمتهم عبر صناديق الاقتراع، لا عبر الصفقات ولا عبر التسويات ولا عبر التمديد المقنّع.
وأي محاولة لمصادرة هذا الحق، تحت أي عنوان، ليست “تنظيمًا دستوريًا”…
بل جريمة سياسية موصوفة بحق الجمهورية.