الجنوب اللبناني: المعركة التي تبدأ قبل دخول الجنود

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

الجنوب اللبناني: المعركة التي تبدأ قبل دخول الجنود

من سيدخل إلى الجنوب؟ وبأي تفويض؟ وتحت أي مظلة؟ ومن يملك القرار عندما تبدأ المهمة؟

في الجنوب اللبناني، قد لا تكون المعركة المقبلة مرتبطة فقط بما يجري على الأرض، بل بما سيُكتب على الورق قبل أن تطأ أقدام أي جندي المنطقة.

فخلف النقاش حول تشكيل قوة دولية جديدة، وحول الدول التي يمكن أن تشارك فيها، تدور معركة أكثر عمقاً وحساسية: من يملك القرار الأمني في الجنوب؟ ومن يملك صلاحية تنفيذ الترتيبات التي ستولد من رحم الحرب؟

السؤال الظاهر هو: من سيدخل إلى الجنوب؟

أما السؤال الذي قد يحدد مستقبل لبنان فهو: ماذا سيُسمح له أن يفعل عندما يدخل؟

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

إذا كانت القوة الدولية مجرد شاهد على وقف إطلاق النار، يراقب الخروقات ويرفع التقارير ويعمل ضمن حدود الفصل بين الأطراف، فإن المهمة، رغم صعوبتها، تبقى واضحة.

لكن ماذا لو تحولت المهمة من المراقبة إلى التحقق من وجود السلاح؟ وماذا لو أصبح عليها أن تتدخل في تنفيذ ترتيبات أمنية جديدة أو دعم عمليات يُنظر إليها على أنها مرتبطة بنزع السلاح؟

عندها لن تعود القوة الدولية مجرد مراقب للاتفاق.

ستصبح جزءاً من الاتفاق نفسه.

وهذا الفارق الصغير في الكلمات قد يكون هائلاً في الواقع.

لأن الجنوب اللبناني ليس أرضاً فارغة تنتظر وصول قوات أجنبية إليها. إنه مساحة تتداخل فيها الدولة، وحزب الله، والجيش اللبناني، وإسرائيل، والقوى الدولية، والحسابات الإيرانية، والذاكرة الثقيلة لحروب متكررة.

ولهذا فإن أي قوة تدخل المنطقة ستدخل معها، بالضرورة، إلى شبكة معقدة من المصالح والشكوك والخطوط الحمراء.

ليست القضية في لون العلم

قد يبدو اختيار الدول المشاركة في أي قوة دولية مسألة دبلوماسية تقنية.

لكن في الجنوب، لا توجد دولة تدخل بلا حمولة سياسية.

بريطانيا ليست مجرد بريطانيا.

وفرنسا ليست مجرد فرنسا.

وأي دولة أخرى تُطرح للمشاركة لن تكون مجرد عدد إضافي من الجنود والآليات.

كل علم سيرفع في الجنوب سيُقرأ في تل أبيب وبيروت وطهران وواشنطن، وكل دولة ستُقاس بعلاقاتها ومواقفها وثقة الأطراف بها.

ولهذا قد يصبح السؤال عن هوية القوة سابقاً حتى للسؤال عن حجمها.

لكن المفارقة أن هوية الجنود، مهما كانت مهمة، ليست العامل الأخطر.

العامل الأخطر هو التفويض.

فالجندي الذي يحمل تفويضاً للمراقبة ليس هو الجندي الذي يحمل تفويضاً للتدخل.

والقوة التي تستطيع تسجيل الخرق ليست هي القوة التي تستطيع منعه.

والبعثة التي تنسق مع الدولة اللبنانية ليست هي البعثة التي تستطيع أن تتصرف بمعزل عنها.

وهنا تحديداً يمكن أن يبدأ الزلزال.

اللحظة التي لا يتحدث عنها أحد

لنتخيل السيناريو الأكثر حساسية.

دورية دولية تدخل منطقة معينة لتنفيذ مهمة منصوص عليها في تفويضها.

يطلب منها طرف مسلح التوقف.

ترفض.

يتصاعد التوتر.

فمن يتدخل؟

هل يتقدم الجيش اللبناني؟

هل تتصرف القوة الدولية بنفسها؟

هل تُستدعى جهة سياسية للتفاوض؟

أم تتراجع الدورية لتجنب انفجار أمني؟

قد يبدو هذا السيناريو افتراضياً، لكنه يكشف السؤال الأهم: هل قواعد الاشتباك مكتوبة بوضوح كافٍ لمنع الحادث الصغير من التحول إلى أزمة كبيرة؟

فالجنوب لا يحتاج إلى كثير من الوقود كي يشتعل.

يكفي أحياناً حادث أمني محدود، أو سوء تقدير، أو تفسير متناقض لبند واحد، لكي تنتقل الأزمة من الميدان إلى العواصم.

وهنا يصبح الاتفاق الذي يفترض أن يحمي الهدوء مصدراً جديداً للتوتر.

إسرائيل تريد ضمانة

من الجانب الإسرائيلي، المسألة ليست تقنية.

أي ترتيبات جديدة في الجنوب ستُقاس بالسؤال الذي يهم إسرائيل قبل أي سؤال آخر:

هل انتهى التهديد الذي أدى إلى الحرب، أم أن الهدوء مجرد مرحلة مؤقتة قبل إعادة بناء القدرة العسكرية؟

لذلك ستبحث إسرائيل عن آلية تمنحها، قدر الإمكان، ضمانة بأن الانسحاب أو التهدئة لن يؤديا إلى إعادة إنتاج المشهد السابق.

لكن هذه الرؤية تصطدم بسؤال آخر: إلى أي حد يمكن تحويل القوة الدولية إلى أداة تنفيذية من دون أن تتحول هي نفسها إلى طرف في الصراع؟

فكلما اتسعت صلاحياتها، ارتفعت قدرتها على فرض الترتيبات.

لكن كلما ارتفعت قدرتها على الفرض، ارتفع معها احتمال الاصطدام بمن يرفض تلك الترتيبات.

وهذه هي المفارقة الكبرى.

القوة التي يُراد لها أن تمنع الحرب قد تجد نفسها، إذا أسيء تصميم مهمتها، في قلب أسباب الحرب.

حزب الله أمام معادلة مختلفة

أما حزب الله، فسيقرأ أي ترتيبات جديدة من زاوية مختلفة تماماً.

القضية بالنسبة إليه ليست مجرد وجود قوات أجنبية في الجنوب، بل طبيعة المهمة التي تحملها هذه القوات والحدود التي يمكن أن تصل إليها.

فالفرق كبير بين قوة تراقب وقف إطلاق النار وقوة تبحث عن السلاح أو تتحرك لتنفيذ ترتيبات مرتبطة به.

ومن هنا، فإن أي محاولة لتقديم ملف السلاح باعتباره مجرد عملية تفتيش ومصادرة تتجاهل جوهر المشكلة.

سلاح حزب الله ليس قضية أمنية منفصلة عن السياسة.

إنه مرتبط بموقع الحزب داخل الدولة، وبالعلاقة مع إسرائيل، وبالتوازنات الإقليمية، وبالدور الإيراني، وبمفهوم المقاومة، وبسؤال القرار السيادي اللبناني.

ولهذا فإن محاولة حل المسألة بأداة أمنية خارجية فقط قد تفتح باباً لمشكلة أكبر.

قد تنجح القوة في إزالة سلاح من موقع.

لكن ماذا عن البيئة السياسية التي أنتجت هذا السلاح؟

وماذا عن الردع؟

وماذا عن الحدود؟

وماذا عن ضمانات الدولة؟

وماذا عن السؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد انتهاء المهمة الدولية؟

الدولة اللبنانية أمام الامتحان الأصعب

ربما تكون بيروت أمام أصعب اختبار في هذه المعادلة.

فالهدف المفترض ليس أن تحل قوة دولية محل الدولة اللبنانية.

الهدف، إذا أُريد للترتيبات الجديدة أن تكون قابلة للحياة، هو أن تساعد الدولة اللبنانية على استعادة موقعها باعتبارها المرجعية الأساسية للقرار الأمني.

وهنا يجب التمييز بين أمرين:

قوة دولية تسند الدولة.

وقوة دولية تقوم مقام الدولة.

الأولى قد تكون جزءاً من الحل.

أما الثانية فقد تتحول، عاجلاً أو آجلاً، إلى جزء من المشكلة.

فكلما أصبح القرار الأمني خارج المؤسسات اللبنانية، أصبح من الصعب الحديث عن استعادة السيادة الكاملة.

وكلما أصبحت الدولة اللبنانية حاضرة بوصفها المرجعية، أصبح وجود القوة الدولية أكثر قابلية للتحول من عامل ضغط إلى عامل استقرار.

السلاح ليس صندوقاً يمكن مصادرته

أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو التعامل مع قضية السلاح وكأنها مسألة لوجستية.

لا يكفي أن نقول: هناك سلاح، فلننزعه.

السؤال الأصعب هو:

من ينزعه؟ وتحت أي شرعية؟ وبأي ضمانات؟ وماذا يحدث بعد نزعه؟

لأن السلاح في الجنوب ليس مجرد مخازن يمكن تحديد مواقعها.

إنه جزء من معادلة سياسية وعسكرية وإقليمية معقدة.

ومن دون معالجة هذه المعادلة، قد يؤدي الضغط الخارجي إلى نتيجة عكسية: بدلاً من إنهاء المشكلة، قد يدفعها إلى شكل جديد.

لهذا، فإن أي تسوية جدية تحتاج إلى مسار سياسي لبناني واضح، وإلى دور فعلي للدولة، وإلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، وإلى ضمانات تمنع عودة الحرب.

أما تحويل القوة الدولية إلى شرطي مكلف بمهمة سياسية شديدة الحساسية، فقد يكون وصفة لاختبار خطير.

الزلزال الحقيقي يبدأ من بند صغير

في الأزمات الكبرى، لا تبدأ الانفجارات دائماً من القرارات الكبرى.

أحياناً تبدأ من جملة غامضة.

من صلاحية غير محددة.

من حادث لم يكن أحد يتوقعه.

من دورية توقفت في المكان الخطأ.

من تفسير مختلف لقواعد الاشتباك.

ومن هنا، فإن نجاح أي ترتيبات جديدة في الجنوب لن يُقاس بعدد الجنود، ولا بعدد الدول المشاركة، ولا بحجم الآليات.

سيُقاس بثلاثة أسئلة:

أولاً: هل التفويض واضح؟

هل يعرف كل طرف بدقة ما تستطيع القوة فعله وما لا تستطيع فعله؟

ثانياً: هل الصلاحيات محددة؟

من يقرر؟ ومن ينفذ؟ ومن يتدخل عند الخلاف؟

ثالثاً: هل الدولة اللبنانية هي المرجعية؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة غير واضحة، فإن القوة الأكبر قد لا تكون هي القوة الأكثر فاعلية.

بل ربما تكون العكس تماماً.

الجنوب أمام مفترق تاريخي

لبنان لا يحتاج بالضرورة إلى قوة دولية أكبر.

يحتاج إلى ترتيب دولي أكثر وضوحاً ودولة لبنانية أكثر قدرة.

فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى بمجرد نشر الجنود.

يُبنى عندما يعرف كل طرف حدود حركته، وعندما تكون قواعد اللعبة واضحة، وعندما لا تضطر القوة الدولية إلى الاختيار بين الانسحاب أو المواجهة.

وفي المقابل، تحتاج إسرائيل إلى ضمانات أمنية حقيقية، ويحتاج لبنان إلى ضمان احترام سيادته، وتحتاج القوة الدولية إلى تفويض يمكن تنفيذه، بينما تحتاج قضية السلاح إلى معالجة سياسية لا تختزل في الإجراءات الميدانية.

هذه الشروط ليست سهلة.

لكن البديل أصعب.

لأن الجنوب اللبناني لا يحتمل تجربة جديدة تبدأ بعنوان السلام وتنتهي بتفسير جديد للحرب.

السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة

في النهاية، قد يكون من السهل معرفة من سيدخل إلى الجنوب.

الأصعب بكثير معرفة من سيملك القرار عندما يدخل.

وهذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل بيروت وتل أبيب وواشنطن وباريس وكل العواصم المعنية بمستقبل لبنان.

لأن القضية ليست جنسية الجندي.

وليست عدد الجنود.

وليست حتى اسم القوة.

القضية هي التفويض الذي يحمله الجندي، والسلطة التي تمنحه الأوامر، والدولة التي ستحدد في النهاية حدود القرار الأمني.

فإذا نجحت الترتيبات الجديدة في جعل الدولة اللبنانية المرجعية الأساسية، وأصبحت القوة الدولية سنداً لها لا بديلاً عنها، فقد يكون الجنوب أمام فرصة تاريخية للخروج من الحلقة القديمة:

حرب، هدنة، إعادة تسلح، ثم حرب جديدة.

أما إذا دخلت القوة الدولية وهي تحمل تفويضاً غامضاً، وصلاحيات قابلة لتفسيرات متناقضة، ومهمة تمس مباشرة أكثر الملفات حساسية في لبنان، فقد يحدث العكس تماماً.

عندها لن يكون الجنود القادمين إلى الجنوب مجرد حماة للسلام.

قد يصبحون، من دون أن يريدوا، جزءاً من المعركة التي جاءوا لمنعها.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر:

المعركة الحقيقية في الجنوب قد تبدأ قبل دخول أول جندي.

وقد لا يكون السؤال التاريخي الذي سيُطرح بعد سنوات:

من دخل إلى الجنوب؟

بل:

من كان يملك القرار عندما دخل؟