ترامب والقنابل الصوتية: عندما يصبح التهديد سلاحاً بحد ذاته

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

ترامب والقنابل الصوتية: عندما يصبح التهديد سلاحاً بحد ذاته

فخامة الرئيس دونالد ترامب لا يخوض مع إيران معركة تصريحات عابرة، ولا يرفع سقف التهديدات لمجرد الاستعراض السياسي. ما يجري أخطر من ذلك بكثير. واشنطن تحاول بناء معادلة جديدة عنوانها أن الاقتصاد الإيراني يجب أن يصبح ساحة المعركة الأولى، وأن النفط والإيرادات وشبكات التجارة والتمويل يمكن أن تكون أكثر فتكاً من الصواريخ. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمتلك ترامب فعلاً القدرة على «سحق» الاقتصاد الإيراني، أم أنه يستخدم القنابل الصوتية كأداة ضغط لإجبار طهران على التراجع قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة؟

المشكلة أن إيران ليست دولة تدخل معركة العقوبات للمرة الأولى. على مدى عقود، طورت طهران اقتصاداً قادراً على التكيف مع الحصار، ونسجت شبكة معقدة من الشركات والوسطاء والواجهات، ووجدت طرقاً للالتفاف على القيود المالية والتجارية. والأهم أنها تعلمت كيف تحافظ على تدفق الضروريات الأساسية حتى في أصعب الظروف. لذلك فإن ضرب الاقتصاد الإيراني شيء، وإسقاط قدرة النظام على البقاء شيء آخر تماماً.

وهنا تكمن العقدة التي قد تصطدم بها استراتيجية ترامب. واشنطن تستطيع أن تجعل حياة الإيرانيين أكثر صعوبة، وتخفض الإيرادات، وتضغط على العملة والاستثمار والتجارة، لكنها لا تستطيع أن تفترض تلقائياً أن الألم الاقتصادي سيتحول إلى استسلام سياسي. التاريخ مليء بأنظمة عانت اقتصادياً لسنوات طويلة، لكنها استخدمت الحصار لتعزيز خطابها الداخلي، وتحويل الأزمة الاقتصادية إلى معركة وطنية ضد الخارج.

والأخطر أن طهران قد لا تحتاج إلى الانتصار على الولايات المتحدة اقتصادياً. يكفيها أن تصمد. هذه هي المعادلة التي يجب أن تقلق واشنطن. فإذا كان هدف ترامب تحقيق نتيجة سريعة، بينما هدف إيران هو شراء الوقت، فإن الزمن نفسه يصبح سلاحاً إيرانياً. كل يوم تمر فيه العقوبات من دون انهيار النظام يمنح طهران فرصة لإعادة تنظيم شبكاتها، واكتشاف طرق جديدة للبيع والتحويل والتمويل.

أما النفط، فهو قلب المعركة. إيران تستطيع أن تخسر جزءاً من صادراتها، لكنها ستقاتل للحفاظ على أي منفذ قادر على إبقاء الإيرادات حية. وهنا تظهر الصين باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية، لأن استمرار وجود مشترٍ كبير للنفط الإيراني يعني أن واشنطن لا تواجه طهران وحدها، بل تواجه شبكة مصالح اقتصادية دولية يصعب تفكيكها بضربة واحدة.

ومن هنا قد تتحول «القنبلة الاقتصادية» إلى قنبلة جيوسياسية. فكلما توسعت واشنطن في ملاحقة الشركات والوسطاء والمصارف والسفن التي تساعد إيران، اقتربت أكثر من مصالح قوى دولية أخرى. وفي اللحظة التي يصبح فيها الضغط على إيران ضغطاً على شركائها التجاريين، تتغير طبيعة المعركة بالكامل.

لكن المفارقة الكبرى أن ترامب قد يكون مدركاً لهذه الحقيقة أكثر من غيره. فالقوة في السياسة ليست دائماً في تنفيذ الضربة، بل أحياناً في جعل الخصم يصدق أنك مستعد لتنفيذها. لذلك فإن التصريحات النارية والتهديدات المتصاعدة قد تكون جزءاً من استراتيجية تفاوضية محسوبة: رفع الكلفة النفسية والاقتصادية على طهران، ودفعها إلى تقديم تنازلات قبل أن تضطر واشنطن إلى الذهاب نحو مواجهة أكبر.

بمعنى آخر، 

القنابل الصوتية ليست بالضرورة ضعفاً. قد تكون سلاحاً سياسياً بحد ذاته. ترامب يدرك أن الغموض والتهديد وعدم وضوح الخطوة التالية يمكن أن يربك الخصم والأسواق والحلفاء في آن واحد. لكن هذا السلاح له حدوده؛ فإذا تكرر التهديد من دون نتيجة، فقد يفقد جزءاً من قوته ويبدأ الخصم بالتعامل معه كأداة ضغط لا كإنذار حقيقي.

وهنا تبدأ أخطر مرحلة. إذا اقتنعت طهران بأن واشنطن تريد فعلاً خنق اقتصادها حتى النهاية، فقد تنتقل من استراتيجية «تحمل العقوبات» إلى استراتيجية «رفع كلفة العقوبات». عندها لن تبقى المعركة داخل حدود الاقتصاد الإيراني، بل يمكن أن تمتد إلى الطاقة والممرات البحرية وأسواق النفط وسلاسل الإمداد.

وهذا يعني أن محاولة خنق إيران قد تحمل معها خطر خنق الاقتصاد العالمي جزئياً. فكل اضطراب في النفط أو الشحن أو التأمين أو الممرات الاستراتيجية يمكن أن يتحول سريعاً إلى تضخم وأسعار أعلى وضغط على الاقتصادات الكبرى.

لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين ترامب والريال الإيراني فقط. إنها معركة بين استراتيجيتين: استراتيجية أميركية تراهن على أن الضغط المتراكم سيجبر طهران على الانحناء، واستراتيجية إيرانية تراهن على أن النظام يستطيع تحمل الألم إلى أن تتغير الظروف.

ومن هنا تأتي المفارقة الكبرى: ترامب يريد أن يجعل إيران تخشى المستقبل، بينما إيران تراهن على أن المستقبل نفسه قد يعمل ضد ترامب.

إذا انهار الاقتصاد الإيراني سريعاً، سيكون ترامب قد أثبت أن سياسة الخنق الاقتصادي قادرة على تحقيق ما عجزت عنه أدوات أخرى. أما إذا صمدت طهران، فقد يتحول «الضغط الأقصى» إلى حرب استنزاف طويلة، يصبح فيها الاقتصاد الأميركي والعالمي جزءاً من الحسابات، لا مجرد أدوات للضغط على إيران.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع ترامب إيلام إيران؟ بالتأكيد يستطيع. السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع تحويل الألم إلى استسلام قبل أن يتحول الألم إلى تصعيد؟

هنا تحديداً ستُختبر استراتيجية ترامب.

فالقنابل الصوتية قد تهز الأسواق وتربك الخصوم وتحتل العناوين، لكنها لا تصنع وحدها انتصاراً استراتيجياً. الانتصار يبدأ عندما يتحول التهديد إلى قدرة، والقدرة إلى نتيجة، والنتيجة إلى تغيير حقيقي في سلوك الخصم.

وحتى تلك اللحظة، تبقى واشنطن وطهران في أخطر لعبة أعصاب اقتصادية منذ سنوات: ترامب يملك أدوات الضغط، وإيران تملك خبرة الصمود، وبين الاثنين يقف النفط والصين والأسواق العالمية ومضيق هرمز.

وهنا قد لا يكون السؤال من يملك القنبلة الأقوى، بل من يستطيع أن يبقى واقفاً بعد أن ينتهي صوت الانفجار.