حين تخسر القوة معركة العقل

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

حين تخسر القوة معركة العقل

في السياسة، لا تبدأ الهزائم يوم تتراجع الجيوش، بل يوم تعجز القوة عن فرض إرادتها. قد تملك الدولة أكبر ترسانة عسكرية في العالم، وأحدث منظومات الردع، وأوسع شبكة تحالفات، لكنها تصبح أسيرة المأزق إذا أخطأت في قراءة خصمها، واعتقدت أن التفوق العسكري يكفي وحده لصناعة النصر.

هذا هو السؤال الذي تفرضه المواجهة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإيران.

لقد انطلقت واشنطن من قناعة مفادها أن سياسة "الضغط الأقصى" ستنتج رضوخاً سياسياً، وأن العقوبات والتهديدات والضربات المحدودة ستدفع طهران إلى قبول شروط أميركية جديدة. لكن ما حدث، وفق قراءة كثير من المحللين، كان مختلفاً؛ إذ بدا أن إيران اختارت استراتيجية تقوم على امتصاص الضغوط، وإطالة زمن المواجهة، ورفع كلفة أي تصعيد على الولايات المتحدة وحلفائها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لم يكن التفوق العسكري الأميركي موضع شك، لكن تحويل هذا التفوق إلى نتائج سياسية كان أكثر تعقيداً مما افترضته واشنطن. فالضربات العسكرية قد تدمّر أهدافاً، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير حسابات الخصم إذا كان مستعداً لتحمل الكلفة، ويملك أدوات ردع غير تقليدية، وحلفاء أو شركاء يحدّون من عزله الكامل.

لقد بدا أن الصراع تحول من مواجهة بين جيشين إلى منافسة بين عقليتين استراتيجيتين؛ عقل يراهن على الضغط السريع، وآخر يراهن على النفس الطويل. وفي مثل هذه المواجهات، لا يكون الانتصار دائماً لمن يطلق النار أولاً، بل لمن يفرض إيقاع اللعبة ويجبر خصمه على القتال وفق شروطه.

كما كشفت الأزمة أن القوة العظمى ليست حرة بالكامل في استخدام قوتها. فالحسابات الاقتصادية، والرأي العام، والانقسامات السياسية، ومواقف الحلفاء، كلها عوامل تفرض قيوداً على القرار العسكري. وفي المقابل، استثمرت إيران هذه القيود في بناء معادلة ردع تهدف إلى جعل أي حرب واسعة أكثر كلفة على خصومها.

إن النقاش الحقيقي لا يدور حول من يملك القوة، بل حول من نجح في توظيفها لتحقيق أهدافه. وإذا كان معيار النجاح هو تحقيق الأهداف السياسية المعلنة، فإن حصيلة هذه المرحلة تبقى موضع جدل، وهو ما يدفع إلى إعادة تقييم العلاقة بين التكتيك والاستراتيجية، وبين الضغط والنتيجة.

"في النهاية، لا يقيس التاريخ عظمة الدول بحجم ترساناتها، ولا بعدد الصواريخ التي تطلقها، بل بقدرتها على تحويل القوة إلى نتائج سياسية مستدامة. فحين تعجز القوة العسكرية عن فرض الإرادة، يصبح التفوق التقني مجرد أداة بلا غاية. ويبقى السؤال الذي سيواجه كل قوة عظمى: هل صنعت انتصارًا حقيقيًا، أم أنها اكتفت بإدارة صراع لم تستطع حسمه؟"