صفقة ما قبل العاصفة: دبلوماسية خفية تعيد تشكيل الجنوب والسلاح والانتخابات في لبنان

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

صفقة ما قبل العاصفة: دبلوماسية خفية تعيد تشكيل الجنوب والسلاح والانتخابات في لبنان

تعيش الحدود اللبنانية الإسرائيلية لحظة مفصلية لم تعد فيها التطورات تُقاس بعدد الخروق أو البيانات العسكرية، بل بطبقات أعمق من التفاهمات غير المعلنة التي تتحرك فوقها دبلوماسية صامتة تشارك فيها واشنطن والعواصم الإقليمية. فبين المبادرة المنسوبة إلى وزير الاستخبارات المصرية حسن رشاد حول تجميد أو تخزين سلاح حزب الله، وبين ما قاله المبعوث الأميركي توم برّاك في منتدى الدوحة بأن الهدف ليس نزع السلاح بل منع استخدامه، تتكشف ملامح مرحلة جديدة يجري تصميمها بعناية، حيث السلاح لا يُنزع، والحدود لا تُترك لمصيرها، والدولة اللبنانية تُستدرج شيئاً فشيئاً نحو دور تفاوضي رغم إنكارها.

الآلية المسماة الميكانيزم التي كانت تُقدَّم كإطار تقني لضبط الحركة على الخط الأزرق تحوّلت تدريجياً إلى منصة سياسية فعلية، مع قرار رفع مستواها إلى رئاسة دبلوماسية يمثّلها السفير السابق سيمون كرم. هذا التحول لا يعني فقط أن النقاشات أصبحت سياسية، بل يكشف أيضاً أن الأطراف المشاركة، وخصوصاً الولايات المتحدة، باتت تتعامل مع الآلية كجسر نحو تفاهمات أوسع، لا كغرفة تنسيق حدودي. وما يجري داخلها من نقاشات يلامس ملفات حساسة تتقدمها وظيفة سلاح حزب الله ومستقبل المعادلة الأمنية في الجنوب.

المبادرة المصرية التي تقترح صيغة «التجميد» أو «التخزين» ليست تفصيلاً ولا تسريباً بلا معنى. إنها محاولة لفتح نافذة بين مطلبين متباعدين: رفض الحزب المطلق لأي طرح يتعلق بنزع السلاح، وإصرار المجتمع الدولي على وضع حدّ لحرية الحركة التي اكتسبها الحزب منذ سنوات. الصيغة المصرية هي باختصار محاولة لنزع الوظيفة من دون نزع القدرة، أو إعادة تعريف السلاح بحيث يصبح موجوداً لكنه غير صالح للاستخدام في الزمن الحالي، وهي فكرة تتقاطع بشكل لافت مع التصور الأميركي الذي عبّر عنه برّاك في الدوحة.

الأخطر والأوضح في كلام المبعوث الأميركي كان حديثه عن ضرورة حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل “غير الميكانيزم”، مع إشارته إلى أن سفير بلاده في بيروت سيتولى هذا المسار. هذا الكلام ليس عادياً، فهو يعكس رغبة أميركية في إنشاء قناة تفاوض موازية أكثر عمقاً من النقاشات التقنية، قناة تتناول ما لا تستطيع آلية الميكانيزم تحمّله أو إدارته: مستقبل السلاح، شكل الضمانات الأمنية، وترتيبات المرحلة المقبلة التي يُراد لها أن تتزامن مع ما قبل الانتخابات النيابية في لبنان.

الانتخابات ليست حدثاً منفصلاً عن هذا المشهد، بل جزء من «البازار» السياسي – الأمني الأكبر الذي يحدد شكل المستقبل. فالثنائي الشيعي يحتاج ضمانات سياسية في مرحلة حساسة، والولايات المتحدة وإسرائيل تريدان ضمانات أمنية على الحدود، ولبنان الرسمي يسعى لتفادي انفجار أكبر من قدرته على الاحتمال. وبين هذه المصالح المتداخلة، يُبنى مسار تفاوضي غير معلن قد يتبلور في الأشهر الأولى من السنة المقبلة، وفق ما ترجّحه مصادر دبلوماسية مطلعة.

على الأرض، يبدو الجنوب اليوم كمنطقة اختبار تُجرَّب فيها التفاهمات قبل إعلانها. التوتر خُفّض، والاحتكاكات تُضبط، والميدان يُراقب بدقة. ثمة قواعد اشتباك جديدة تُبنى خطوة خطوة، وتفاهمات صامتة تُطبَّق قبل أن تُكتب، وتوازنات تُرسم قبل أن تُعلن. كل ذلك يجري فيما تدير واشنطن المشهد بخيط واحد، ممسكة بنقاط الضغط ومحددة اتجاه الرياح في كل محطة.

ما نشهده ليس سلاماً ولا حرباً ولا تفاوضاً مباشراً. إنّه اتفاق بلا توقيع، تسوية بلا وثيقة، مرحلة تُكتب في الظل ببطء ودقة، حيث السلاح يبقى لكن وظيفته تتغيّر، والحدود تهدأ لكنها لا تستريح، والدولة اللبنانية تجد نفسها وسط هندسة معقدة تُعاد فيها صياغة موقعها جنوباً ودورها إقليمياً. إنّها الدبلوماسية الخفية التي تصنع واقعاً جديداً من دون إعلان، وتمهد لجنوب مختلف تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة، وربما مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل.