رئيس الجمهورية و"ليبان تلكوم": إنجاز للعهد أم التخلي عن السيادة؟

جبران الخوري*إنّ إصرار رئيس الجمهورية على استكمال تفعيل شركة ليبان تلكوم وتعيين مجلس إدارتها، من دون إنجاز الإصلاحات القانونية والمالية والتشغيلية الضرورية لاستعادة قيمتها، قد يرتدّ سلبًا على العهد الرئاسي نفسه.المسألة هنا تتعلق بمستقبل أحد أهم الأصول السيادية والاستراتيجية للدولة اللبنانية.واستكمال تعيين مجلس إدارة الشركة العتيدة في ظلّ تراجع القدرة التنافسية لها الى الحدود الدنيا، كما وثّقها تقرير ديوان المحاسبة الصادر آخيراً، قد يضع الدولة أمام خيارين مباشرةً بعد تفعيل ليبان تلكوم: بيع الشركة بقيمة متدنية لأصحاب النفوذ، أو استمرار تراجعها بما قد يفضي إلى إعادة هيكلتها أو تصفيتها وانتقال أصولها وأنشطتها إلى شركات إحتكارية كبيرة قائمة.في الحالتين، يبرز خطر الانتقال من احتكار القطاع العام إلى تركّز أكبر في القطاع الخاص الاحتكاري، مع احتمال تحميل الموظفين -وهم الحلقة الأضعف- والخزينة العامة كلفة غياب الإصلاحات.تراجع القيمة السوقية ومخاطر التفريط بالمال العاموثّق تقرير ديوان المحاسبة الأخير تراجع حصة وزارة الاتصالات وأوجيرو في سوق الإنترنت إلى أقل من 10%. يعكس هذا التراجع خسارة في المشتركين والإيرادات، فضلًا عن ضعف القدرة التنافسية للمشغّل العام في مواجهة الشبكات غير المرخّصة والشركات الاحتكارية القائمة وفقًا لتوصيف ديوان المحاسبة.إنّ تقييم الأصول والأعمال الجارية استنادًا إلى وضعها الحالي وحده يؤدي حُكمًا إلى التقليل من قيمتها الاقتصادية بشكلٍ كبير، خصوصًا إذا كان بالإمكان استعادة حصتها السوقية من خلال إصلاح الإدارة، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وإنفاذ القوانين والمراسيم، واستعادة المشتركين.سيناريوهان ومخاطر انتقال الاحتكاريقوم السيناريو الأول على دخول مستثمر يشتري حصة في الشركة بتقييم منخفض نسبيًا، ثم ينجح في إعادة إطلاقها واستعادة المشتركين وتحقيق أرباح مرتفعة مقارنة بكلفة الاستحواذ. وفي هذه الحالة، تكون الدولة قد تنازلت عن جزء من القيمة المستقبلية للشركة، نتيجة عدم معالجة أسباب تراجعها قبل طرحها أمام المستثمرين.أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار تراجع الشركة وفشلها في استعادة قدرتها التنافسية بما قد يفتح المجال أمام إعادة هيكلتها أو بيع أصولها أو تصفيتها، وفقًا لوضعها المالي والقانوني. وقد يؤدي ذلك إلى انتقال أنشطتها و-أو أصولها إلى شركات كبرى تملك أصلًا قاعدة مشتركين وقدرات تشغيلية واسعة، بما يزيد تركّز السوق وزيادة الاحتكار.قد لا يُعدّ أيّ من السيناريوهين نتيجة حتمية، كما لا يشكّل انخفاض التقييم اليوم دليلًا بحد ذاته على وجود تواطؤ أو تضارب مصالح. لكنّ احتمالاتهما -وهي مرتفعة- تفرض على الدولة حماية المال العام، وضمان المنافسة والشفافية، ومنع استفادة أي طرف أو مجموعة أطراف نافذة من استغلال ضعف الشركة العتيدة.الإطار القانوني وإمكانية الخصخصة السريعةينظّم قانون الاتصالات رقم 431-2002 إنشاء اتصالات لبنان وآليات إدخال القطاع الخاص في ملكيتها. وتجيز المادة 46 بيع ما لا يتجاوز 40% من الأسهم إلى مستثمر استراتيجي خلال مهلة سنتين من تأسيسها. وبما أنّ مرسوم إنشاء الشركة صدر عام 2007، فقد انقضت مهلة السنتين عام 2009.تكمن أهمية هذه المسألة في أنّ تفعيل الشركة اليوم يفتح الباب فورًا لمستقبل ملكيتها، لذلك يجب أن يقترن بتحديد واضح في القانون لنموذج البيع والإدارة والملكية.حقوق موظفي أوجيرو ومخاطر غياب الضماناتإنّ مصير موظفي أوجيرو هو أحد أبرز الجوانب التي يجب حسمها قبل تعيين مجلس الإدارة. ففي حال نجاح المستثمر في إعادة إطلاق الشركة، قد تتغير الهيكلية الوظيفية وشروط العمل وسياسات الإدارة. أما في حال تعثر الشركة أو تصفيتها، فقد يواجه الموظفون مخاطر تتعلق باستمرار وظائفهم، ورواتبهم، وتعويضاتهم، وأقدميتهم، وتقديماتهم الاجتماعية، ما لم يتم تحصين ذلك بقانون منذ الآن.لا تكفي إطلاقًا التطمينات السياسية أو المراسيم الموعودة أو التعهدات الإدارية أو طرح العقد الجماعي لحماية هذه الحقوق في مختلف السيناريوهات. المطلوب هو إدراج ضمانات صريحة وملزمة في تعديلات تشريعية بحيث تحدد بوضوح مصير الموظفين والجهة التي تتحمل التزاماتهم في حالات الشراكة أو الخصخصة الكلية أو الجزئية أو إعادة الهيكلة أو التصفية.في النهاية، إنّ تقييم الأصول والأعمال الجارية بقيمة متدنية، ثم نجاح المشتري في إعادة إطلاقها وتحقيق أرباح كبيرة، قد يثير تساؤلات جدية مستقبلًا حول أسباب عدم إصلاحها قبل البيع، ومدى حماية الدولة لقيمة أصولها.وقد تزداد المسؤولية السياسية حساسية إذا كشفت الوقائع فيما بعد عن وجود تضارب مصالح أو تداخل بين النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية، وهي مسائل يجب التعامل معها بدقة وبالأدلة والرقابة.أما ترك الشركة تتراجع حتى تصبح إعادة هيكلتها و-أو تصفيتها ضرورة، فقد يفضي إلى تركّز أكبر في السوق واحتكار كبير سوف يضّر بالمواطنين، والخزينة العامة، ويعرّض حقوق موظفي أوجيرو لمخاطر كان يمكن الحد منها بضمانات تشريعية مسبقة.التخلي عن السيادةعند إعداد قانون الاتصالات عام 2002، كانت الأولوية عالميًا لجذب الاستثمارات إلى تراخيص الاتصالات وشبكاتها، وهو ما انعكس بوضوح في عدد من أحكام قانون الإتصالات اللبناني، ولا سيما المادتين 44 و46، اللتين تتيحان بيع أسهم ليبان تلكوم وصولًا إلى كامل ملكيتها، من دون إقرار ضمانة سيادية من قبيل السهم الذهبي الذي يتيح للدولة الاحتفاظ بحق التدخل في القرارات الاستراتيجية والمصالح الوطنية الجوهرية.إضافة الى ذلك، تنص أحكام المادتين المذكورتين على إسقاط القيود المتعلقة بالجنسية عن المساهمين وأعضاء مجلس الإدارة التي يكفلها قانون التجارة.هنا تكمن المفارقة الصادمة: المشغّل الوطني يصبح مملوكًا ومدارًا بالكامل من جهة أجنبية!وهذا يُجّسد تخلي تام عن سيادية القرار الوطني.السيادة الرقمية تبدأ بالتحكم بالبنية التحتية الأساسية، ومسارات حركة البيانات، ومراكز تشغيل الشبكة، وأنظمة الإدارة والمراقبة، والربط الدولي، وبيانات المشتركين، وأمن ال

رئيس الجمهورية و"ليبان تلكوم": إنجاز للعهد أم التخلي عن السيادة؟

 "شركة الاتصالات اللبنانية: بين إعادة البناء والتفريط بالسيادة",": "لبنان",

تثير خطة تفعيل شركة الاتصالات الوطنية تساؤلات جدية حول مدى جاهزية الدولة لاستعادة أحد أهم أصولها الاستراتيجية. فالإصرار على استكمال تعيين مجلس إدارة الشركة دون معالجة الأزمات القانونية والمالية والتشغيلية التي تواجهها قد ينقلب إلى كارثة بدلاً من أن يكون إنجازاً.

أظهر تقرير ديوان المحاسبة الأخير تدهوراً حاداً في وضع المشغل العام، حيث انخفضت حصته من سوق الإنترنت إلى أقل من 10 بالمئة. يعكس هذا الانهيار خسارة مستمرة في المشتركين والإيرادات، وضعفاً واضحاً في المنافسة أمام الشركات الاحتكارية الخاصة والشبكات غير المرخصة. تقييم الأصول بناءً على وضعها الحالي وحده سيؤدي حتماً إلى بخس قيمتها، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات خطرة.

السيناريو الأول يتوقع دخول مستثمر يشتري الشركة بقيمة منخفضة، ثم ينجح في إعادة إطلاقها وتحقيق أرباح ضخمة. في هذه الحالة، ستكون الدولة قد تنازلت عن جزء كبير من القيمة المستقبلية لأصل استراتيجي، فقط لأنها لم تقم بإصلاحاته قبل البيع. السيناريو الثاني أكثر قتامة: استمرار التراجع قد يفضي إلى إعادة هيكلة أو تصفية الشركة، بما يسمح بانتقال أصولها وأنشطتها إلى شركات احتكارية كبرى، مما يزيد من تركز السوق والاحتكار على حساب المواطنين والخزينة العامة.

حقوق موظفي الشركة الوطنية تواجه مخاطر جسيمة أيضاً. التطمينات السياسية والمراسيم الموعودة غير كافية لحمايتهم. المطلوب هو ضمانات تشريعية صريحة وملزمة تحدد بوضوح مصير الموظفين والجهة المسؤولة عن التزاماتهم في حالات الخصخصة أو إعادة الهيكلة أو التصفية.

تكمن المشكلة الأعمق في الخلل في إطار القانون نفسه. قانون الاتصالات الحالي، الذي وُضع عام 2002 في سياق عالمي كان يركز على جذب الاستثمارات، يسمح ببيع كامل ملكية الشركة دون أي حماية سيادية. لا توجد ما تسمى "السهم الذهبي" الذي يحفظ للدولة حق التدخل في القرارات الاستراتيجية. بل إن القانون يلغي حتى القيود المتعلقة بالجنسية، مما يعني أن "المشغل الوطني" قد ينتهي به الحال مملوكاً وموجهاً بالكامل من قبل جهات أجنبية.

السيادة الرقمية ليست مسألة شعارات بل واقع استراتيجي حتمي. تشمل السيطرة على البنية التحتية الأساسية، ومسارات البيانات، والشبكات، وبيانات المشتركين، وأمن الاتصالات. تحتاج الدول اليوم إلى ضمان أن القرارات التشغيلية الحساسة والوصول إلى المعلومات تبقى ضمن إطار يخضع للمصلحة الوطنية.

قبل استكمال تفعيل الشركة، يتوجب تعديل القانون بما يحمي الأصول الاستراتيجية والسيادة الرقمية للبنان. يجب تحديد واضح لحدود الملكية الأجنبية والحقوق التي لا يجوز التنازل عنها. بدون هذه الضمانات، قد يتحول هذا الملف من إنجاز إلى وصمة عار: تفريط بأحد أهم أصول الدولة وبيع القطاع الاستراتيجي لمصلحة أصحاب النفوذ والمصالح الخاصة.