لبنان: بين الصراعات الداخلية والتجاذبات الخارجية
الدكتور عادل عقلتبنى الدول بتضامن وجهود الجماعات المتوافقة والمتعاضدة في مراحل تاريخية معينة، حيث يلتقي المؤسسون الأوائل على قواسم مشتركة وسعي ورؤى مستقبلية تنسيهم فروقاتهم ليصبحوا بناة الوطن وقواعد العيش.مع تطور الوقت والمجتمع وتنوع الأفراد والأجيال الناشئة، تبدأ الصراعات بالظهور، مثل التناقض بين الفكر الرأسمالي والفكر الاشتراكي، إلى جانب الفوارق الطبقية، والعرقية، والطائفية، والشخصية.يتدخل المسؤول بتبنيه لاحدى هذه الأفكار والقناعات والإيمانات فاما يغرق المجتمع في المنازعات، والخلافات، والتقاتل او ينشط ويزدهر.التجاذبات الخارجية والداخليةغرق لبنان تاريخياً في التجاذبات الخارجية، أولاً بين فرنسا وبريطانيا، ثم في عهد الرئيس فؤاد شهاب الذي تعاطف مع المحور العربي الناصري والفلسطيني السوري في مواجهة المحور الغربي.يشهد العصر الحالي تجاذباً بين المحور الإيراني ومناصريه من جهة، والمحور الغربي الأميركي والإسرائيلي من جهة أخرى.على الصعيد الداخلي، يبدو الصراع كأنه بين المحور الإيراني الشيعي والمحور الغربي مع أميركا والسنة، وتتفاقم حدته بسبب الوجود الإسرائيلي الفاضح والمدعوم أميركياً، فضلاً عن إغفال القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في العيش بأمان. تداعيات الصراع على الدولة والمجتمعيضع هذا التجاذب القاتل لبنان في حالة من خلخلة التوازن الداخلي، حيث يعيش المجتمع في تناقض بين دولة ممزقة ومستضعفة وبين قوة عسكرية وفصائل حزبية متجذرة تتعاكس قناعاتها وإيماناتها مع الدولة القائمة.يلقي هذا الصراع الداخلي بظلاله المدمرة على المجتمع بأسره، ممايمنعه من التطور والأمان، فالقضاء يترنح، الاقتصاد في تدهور، وتندحر الصناعة، وتتصدع هيكلية المجتمع وتنكسر الحريات.يعيش الوطن في حالة من الفوضى، والهزال، والعنف، والتزمّت السياسي والديني، بينما تتصدع الوحدة الوطنية، وتتحلل الهوية، ويعم الفقر واللاسيادة.المسؤولية الوطنية والنظرة النفسية لقرارات القادةيطرح هذا الواقع تساؤلاً حول حال المسؤولين وقدرتهم على حماية الوضع المجتمعي، والعودة إلى الوعي والأمان، وتوحيد النظام في مفهوم وطني جامع يحمي مستقبلاً مشتركاً. ويجب تلاقي العقّال وحاملي مفهوم العيش التقبلي.من الناحية النفسية، تبرز تساؤلات حول قدرة الإنسان على تقرير مصيره ومفهوم التلاقي مع الآخر على قواسم مشتركة.يُطلب من المسؤول وعي موجبات السلطة بنضج ومسؤولية وتقدير المصلحة العامة والوطنية بعيداً عن العواطف والحساسيات، مع إدراك الصراع المستمر بين كل فرد او مسؤول بين نزوة الحب والحياة (Eros) ونزوة التهديم والموت (Thanatos).على المسؤول إدراك هذه النزوات والاعتراف بها والتمكّن من مفهومها لتحويلها إلى اتصالات بناءة. فالأنا تنقسم إلى قسمين: واع وشعوري، ولا واعي ولا شعوري، وهما يتفاعلان باستمرار.يتطلب الأمر من رجل الدولة معرفة الذات، وتحديد رغباته، وتفعيل الضوابط وتغليب المصلحة العامة، والترفع عن المغريات والإغراءات والإيمانات والالتزام بالمفهوم العقلاني لمصلحة الشعب وحماية الوطن. الخاتمة ورؤية الإنقاذتحتاج الأوطان إلى قيادات حكيمة، حتى لا نمشي سكارى على طرق الموت ونزهو بانتصارات بعيداً عن الأمان المنشود.على القادة السياسيين التحلي بالمثالية وحسن التصرف واحترام القوانين. فتضخم الأنا والمشاطرة عند المسؤول لا يؤديان إلا الى انهيار الوطن والمجتمع.شجاعة الوئام أهم من شجاعة الموت، ويجب عدم الغوص في ساحات الحرب دعماً لسلام الآخرين.يبقى لبنان ,ان لامس الانهيار وبهمة المصلحين قادراً على الإبداع بروحية الانفتاح على الشرق والغرب مع الحفاظ على خصوصيته، والتمثل بأصحاب المعرفة المنزهة القادرين على استعادة الدولة وإحياء الوطن.
يشكل لبنان حالة معقدة من الصراعات المتداخلة بين التجاذبات الخارجية والانقسامات الداخلية، حيث يعاني من تناقضات عميقة تعود إلى طبيعة نشأته كدولة متعددة التكوينات. وكما يرى الدكتور عادل عقل، فإن الدول تُبنى عبر تضامن الجماعات المتوافقة على قواسم مشتركة ورؤى مستقبلية موحدة، لكن مع تطور الزمن والمجتمع تبدأ الصراعات بالظهور بين أفكار متناقضة وفوارق طبقية وعرقية وطائفية وشخصية.
عاش لبنان تاريخياً في قلب التجاذبات الخارجية، بدءاً من الصراع بين القوى الاستعمارية القديمة وصولاً إلى التنافس المعاصر بين المحور الإيراني ومناصروه من جهة، والمحور الغربي الأميركي والإسرائيلي من جهة أخرى. وعلى الصعيد الداخلي، يتمظهر الصراع كنزاع بين محاور طائفية وسياسية متضادة تعكس هذه الاستقطابات الخارجية، مما يخلق حالة من الاستقطاب الحاد يفاقمه الوجود الإسرائيلي والدعم الأميركي له، إلى جانب غياب حل جذري للقضية الفلسطينية.
يترتب على هذا التجاذب القاتل انهيار التوازن الداخلي واختلال التماسك المجتمعي. تعيش الدولة في حالة من الضعف والتمزق، بينما تسيطر قوى عسكرية وفصائل حزبية بقناعات متعارضة مع مؤسسات الدولة الرسمية. ينعكس هذا الصراع بشكل مدمر على كل جوانب الحياة: القضاء يترنح، الاقتصاد في حالة تدهور حاد، الصناعة تتناقص، والهيكلية الاجتماعية تتصدع وتنكسر معها الحريات. يسود الوطن جو من الفوضى والهزال والعنف، بينما تتآكل الوحدة الوطنية وتتلاشى الهوية الجامعة، ويستشري الفقر واللاسيادة.
يطرح هذا الواقع المأساوي أسئلة جوهرية حول قدرة المسؤولين على حماية النسيج الاجتماعي واستعادة الوعي الوطني والأمان. يتطلب الخروج من هذا الواقع توحيد الرؤية الوطنية والعودة إلى مفهوم جامع يحمي المستقبل المشترك، بحيث يلتقي العاقلون وأصحاب مفهوم العيش التقاسمي على أساس وطني صلب.
من المنظور النفسي، يجب أن يدرك رجل الدولة نزوات الإنسان المختلفة وصراعاته الداخلية، وأن يتمكن من توجيهها نحو اتصالات بناءة. على القيادة السياسية أن تتحلى بالوعي الكامل لموجبات السلطة والمسؤولية، وأن تضع المصلحة العامة والوطنية فوق كل الاعتبارات الشخصية والعاطفية والحزبية. يتطلب ذلك معرفة عميقة بالذات والقدرة على التحكم بالرغبات الفردية وتغليب العقل والقانون على الهوى والإيمانات الضيقة.
تحتاج القيادات السياسية إلى حكمة حقيقية لتجنب الانزلاق في حروب تخدم مصالح أجنبية بعيدة عن تحقيق الأمان المنشود. شجاعة الوئام والسلام أهم بكثير من شجاعة الموت والحرب، وعلى الساسة عدم الانجرار إلى ساحات الصراع الدولي على حساب السلام الداخلي. لبنان، رغم قرب انهياره، يبقى قادراً على الإبداع والنهوض بروحية الانفتاح على الشرق والغرب معاً، شريطة أن يحتفظ بخصوصيته ويستعين برجال ذوي معرفة منزهة قادرين على إحياء الدولة واستعادة الوطن.