غياب السياسة الرشيدة في لبنان.. تشخيص لأزمة الحكم والإدارة

الدكتور بول حامض -الدكتور بول الحامض ( رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني ) مفهوم السياسة الرشيدة الفاعلة والمهتمّة بشؤون الوطن ورعاياه هي قدرة أي نظام سياسي على حسنْ إدارة شؤون الدولة وتدبير مصالح الشعب بما يتوافق مع الدستور والقوانين المرعية الإجراء وشرعة حقوق الإنسان وحرية العمل السياسي الديمقراطي.في كل الأنظمة تلعب الحكومات الدور الرائد والمُميّز في تنفيذ البرامج الإصلاحية المستمدة من خطاب قسم رئيس الجمهورية وبيان الحكومة، وتكون مهمة السلطة التنفيذية هي فهم دور العمل السياسي الرشيد الديمقراطي داخل البلد وتنفيذ السياسات التي تعالج هذه الأمور. ويمكن للحكومات أن تُشجِّع مراكز الأبحاث والجمعيات الفكرية الفعّالة من مختلف القطاعات الإنتاجية الفكرية مثل: طباعة ونشر الكتب، تثقيف المواطنين، إقامة الندوات والمحاضرات.العمل السياسي الرشيد والقانوني هو عمل جَماعي فكري دبلوماسي يهدف في طبيعة الأمر إلى إدارة شؤون الناس والوطن وحل أي صراع ينتج بالطرق السلمية. والهدف السامي لأي عمل سياسي هو الاستقرار والتنمية. أما على صعيد ممارسة النظام السياسي اللبناني فممارسته تتناقض وأحكام الدستور حيث تسود الفوضى والغلبة ومنطق الاستقواء والإقصاء والإقطاع.هناك صراع مبني على الحقد وتزكية النزاعات بين اللبنانيين، وهذا الصراع كناية عن عدم تقبُّل الفكر الآخر والسعي دائماً للقوطبة أو إنهاء المرجعية المقابلة في حال كانت الأفكار غير منسجمة؛ ومثال على ذلك ما يجري بين الأفرقاء اللبنانيين من صراعات داخلية – داخلية انعكستْ سلباً على المسار العام في البلاد.من قناعتنا الوطنية الفكرية، ومن خلال الممارسة الوطنية، نعتبر أنّ العمل السياسي الرشيد الفاعل يتطلب في كل مرة إعداد دراسة الأحداث وظواهرها بشكل موضوعي وعلمي حيادي يبتعد كل البعد عن الانحياز لهذا أو ذاك... ولكن العلم شيء، والممارسة في لبنان شيء آخر، حيث أغلبية من يُمارسون الأعمال السياسية أو الدينية لا يُعيرون أيّ شأن وأي اهتمام بالعلم السياسي أو المعرفة بالسياسة والديمقراطية؛ وهذا ما شكل أكبر معضلة أمام الرأي العام وأمام واقع اللبنانيين السياسي.لا يُدرك ساسة لبنان العلمانيون ولا حتى رجال الدين من مسيحيين ومُسلمين أن الحياة السياسية تتحكم فيها عدة عوامل وأحداث وأفعال. وفي الحالة اللبنانية يفتقد بعض الرأي العام، وهم نسبة لا يُستهان بها، في الاستحقاقات، حيث يتمثلون بالفقر والأمية السياسية وغياب الفكر السياسي الواعي. وهنا تسهل على الفاعل السياسي التحكُّم بمصيرهم، والأمثلة ووقائعها ماثلة للعيان. وبالنظر إلى نتائج الانتخابات في كلّ مراحلها، يُستنتج من النتائج أنّ التضليل فعل فعله وخاب ظن الإصلاحيين.إنّ الرأي العام اللبناني مـرَّ بتجارب قاسية مثل التضليل والحروب العبثية وعدم الالتزام بالقوانين وغيرها من الأمور السيئة، مما أدى إلى الفوضى السياسية واضمحلال السيادة وإقامة دويلة ضمن شبه دولة، وتمّتْ السيطرة على كل مفاصل الدولة المدنية والعسكرية. السؤال المطروح اليوم: هل الجمهورية اللبنانية هي امتداد لدولة ديمقراطية أو لدولة مغلوب على أمرها أو لدولة تابعة؟ الجواب واضح لا لُبسَ فيه.السياسة الرشيدة الفاعلة تولي الحكمة والاهتمام بالقوانين وتطبيقها وعدم تسييسها وتجنيبها أي شرح غير قانوني أو دستوري على ما هي عليه الأمور. السياسة الرشيدة من أهم أهدافها عدم القفز فوق القوانين وتفسيرها بالطرق العشوائية أو كما تقتضي الحاجة أو وفق مصلحة الراعي الإقليمي أو الدولي؛ وهذا الأمر يُفقد القانون والدستور الهيبة والمنطق السياسي السليم.السياسة الرشيدة لا بد لها أن تكون الممارسة من خلال مبادئها التي تتطلب ممارسة حديثة بأدوات متطورة، فلا يمكن لأي مرجعية سياسية وطنية أن تُمارس السياسة بمنطق الكيدية والعزل والدكتاتورية... فالسياسة الرشيدة العقلانية هي نقيض الخصوصية داخل النظام السياسي والمفروض أن تكون السياسة ديمقراطية معبِّرة عن تطلعات الشعب وطموحاته.السياسة الرشيدة الفاعلة هل هي مفقودة في الجمهورية اللبنانية؟ نعم، لأنّ الدولة وحكامها معزولون عن هموم الشعب، ويصدون الأبواب أمام النخبة والقوى الحية الذين يعبرون عن نبض المجتمع للمشاركة في تحمل المسؤولية، فلا يمكن الركون إلى سياسة فاعلة وديمقراطية ودبلوماسية من دون بناء حقل سياسي شريف.

غياب السياسة الرشيدة في لبنان.. تشخيص لأزمة الحكم والإدارة

يثير الواقع السياسي اللبناني أسئلة جوهرية حول مدى التزام النظام بمبادئ الإدارة الحكيمة والعمل الديمقراطي. فالسياسة الرشيدة الفاعلة تعني قدرة أي نظام على إدارة شؤون الدولة وتدبير مصالح الشعب بما يتوافق مع الدستور والقوانين وحقوق الإنسان وحريات العمل السياسي.

إن دور السلطة التنفيذية يقتضي فهماً عميقاً للعمل السياسي الديمقراطي وتنفيذ سياسات تعالج احتياجات المجتمع. والحكومات المسؤولة تشجع مراكز الأبحاث والجمعيات الفكرية الفعالة من مختلف القطاعات، بما يضمن تثقيف المواطنين ورفع الوعي العام.

لكن الممارسة السياسية اللبنانية تتناقض مع أحكام الدستور. حيث تسود الفوضى ومنطق الاستقواء والإقصاء والإقطاع، وتسيطر على الساحة صراعات مبنية على الحقد وتزكية النزاعات بين اللبنانيين. هذا الصراع ينم عن عدم تقبل الفكر الآخر والسعي الدائم لإنهاء المرجعيات المقابلة، الأمر الذي انعكس سلباً على المسار العام للبلاد.

العمل السياسي الرشيد يتطلب دراسة موضوعية وعلمية محايدة للأحداث والظواهر، بعيداً عن الانحياز. لكن الواقع اللبناني يظهر أن غالبية من يمارسون الأعمال السياسية أو الدينية لا يعيرون اهتماماً كافياً للعلم السياسي أو المعرفة الحقيقية بالديمقراطية، وهذا يشكل معضلة كبرى أمام الرأي العام.

كما أن بعض قطاعات الرأي العام تعاني من الأمية السياسية وغياب الوعي السياسي الحقيقي، الأمر الذي يسهل على الفاعلين السياسيين التحكم بمصائرهم. وقد مرّ اللبنانيون بتجارب قاسية من التضليل والحروب العبثية وعدم الالتزام بالقوانين، مما أفضى إلى فوضى سياسية واضمحلال السيادة وسيطرة كاملة على مفاصل الدولة.

السياسة الرشيدة الفاعلة تتطلب ممارسة قائمة على الحكمة والالتزام الصارم بالقوانين وتطبيقها بحيادية، بعيداً عن أي تفسيرات عشوائية أو مصالح إقليمية ودولية. فهي لا تقبل القفز فوق الدستور أو تسييس القانون، وإلا فقدت القوانين هيبتها والنظام السياسي منطقه السليم.

في النهاية، الإجابة على السؤال عما إذا كانت السياسة الرشيدة مفقودة في الجمهورية اللبنانية هي بنعم قاطع. فالدولة وحكامها معزولون عن هموم الشعب ويصدون الأبواب أمام النخب والقوى الحية التي تعبر عن نبض المجتمع. ولا يمكن بناء سياسة فاعلة وديمقراطية حقيقية دون وجود حقل سياسي شريف قائم على المسؤولية المشتركة والمشاركة الحقيقية.