لبنان أمام اختبار السيادة: حين يصبح القرار أخطر من الحرب
بقلم رئيسة التحرير اليندا المصري خاص مراسل نيوز
ليست خطورة المرحلة التي يمرّ بها لبنان في احتمال اتساع المواجهة الإسرائيلية فحسب، بل في ما قد تكشفه هذه المواجهة من هشاشة في القرار الوطني، ومن تناقض بين مقتضيات السيادة وحسابات الداخل.
فالحروب لا تبدأ دائماً بقرار معلن، بل قد تتسلّل عبر تراكم الضغوط، وتضارب الصلاحيات، وغياب التفاهم السياسي على حدود الممكن والممنوع. وفي هذا السياق، فإن أي توسّع إسرائيلي محتمل، بالتزامن مع ضغوط تستهدف المؤسسة العسكرية أو تدفعها إلى خيارات شديدة الحساسية، يضع الدولة أمام امتحان يتجاوز الميدان إلى جوهر وجودها: من يقرّر باسم لبنان، ومن يتحمّل مسؤولية القرار؟
إن استهداف موقع قيادة الجيش، إن صحّت المؤشرات المتداولة بشأنه، لا يمكن قراءته كمسألة إدارية معزولة؛ فالمؤسسة العسكرية لا تستطيع وحدها معالجة تناقضات السياسة، ولا يجوز تحويلها إلى واجهة لتحمّل كلفة خيارات لم تُحسم وطنياً. فالجيش يحتاج إلى غطاء سياسي واضح، بقدر ما يحتاج البلد إلى موقف سيادي لا يترك مؤسساته رهينة التجاذبات والضغوط الخارجية.
أما الحوادث الأمنية، ومنها قضية الشاحنة المحمّلة بالمتفجرات، فلا يجوز التعامل معها بمنطق الاتهام المسبق أو التوظيف السياسي. المطلوب تحقيق مهني شفاف، ونتائج معلنة، ومحاسبة وفق القانون؛ لأن الغموض حين يطول يتحوّل إلى وقود للانقسام، فيما الحقيقة وحدها تحمي الدولة من الاستثمار في الخوف.
المعضلة اللبنانية، إذاً، ليست في السؤال عمّا إذا كانت إسرائيل تريد التصعيد فحسب، بل في قدرة لبنان على منع الخارج من استثمار انقسامه الداخلي. فالسيادة لا تُصان بالشعارات، ولا يُحمى الاستقرار بتأجيل القرارات الصعبة، بل بتوحيد المرجعية الوطنية وتحديد المسؤوليات ومنع تحويل المؤسسات إلى ساحات صراع.
الخطر الأكبر ليس أن يُدفع لبنان إلى مواجهة لا يريدها، بل أن يدخلها منقسماً، بلا قرار موحّد ولا رؤية واضحة للخروج منها. عندها، لا تكون الأزمة أزمة حدود فقط، بل أزمة دولة تعرف ما الذي ترفضه، وما الذي تستطيع فعله، ومن يملك حق تقرير مصيرها.
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على إطلاق المواقف، بل بقدرتها على منع الآخرين من اتخاذ قراراتها نيابةً عنها.