بين صلح النبي وتطبيع البعريني: هل أخطأ الرجل أم أصبنا نحن بالعجز؟

بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري

بين صلح النبي وتطبيع البعريني: هل أخطأ الرجل أم أصبنا نحن بالعجز؟

في ظل الانهيار الشامل الذي يعيشه لبنان، لا يمر أي موقف سياسي دون أن يتحول إلى مادة سجالية قابلة للانفجار.

وهذا ما حصل مع النائب وليد البعريني، الذي نشر تغريدة تحدّث فيها عن "التطبيع المشروط" مع إسرائيل، إذا كان يحمل في طياته مصلحة وطنية واضحة كالسلام، استعادة الأرض، ورفع الاعتداءات.

التغريدة، رغم كونها لا تحمل تأييدًا مباشراً أو ولاءً سياسيًا، واجهت هجومًا واسعًا عبر مواقع التواصل، لا سيما في بيئته الشعبية في عكار.

فهل أخطأ البعريني فعلاً، أم أن البعض بات يرفض حتى مجرد التفكير خارج الصندوق السياسي التقليدي؟

الحديث النبوي والسياسة الواقعية

 

بعيدًا عن الجدل الشعبي، اللافت أن موقف البعريني لا يبتعد كثيرًا عن موقف نبوي موثق في كتب السيرة، استشهد به العلامة الشيخ عبدالعزيز بن باز في إحدى فتاواه، حيث قال:

 

> "صالح النبي ﷺ يهود المدينة لما قدمها، ولم يوجب ذلك مودتهم ولا محبتهم، لكنه تعامل معهم بيعًا وشراءً، وكان بينهم عداوة وبغضاء."

 

هنا، يظهر أن الصلح في الإسلام لا يعني الولاء أو المحبة، بل قد يكون خيارًا سياسيًا مشروعًا لحماية الدولة والمجتمع.

هذا الفهم ينسجم جزئيًا مع طرح البعريني، الذي قال إن التطبيع يصبح مقبولًا فقط إذا ضمن الأمن والسيادة والسلام، لا إذا كان خضوعًا.

ما قاله البعريني... وما لم يقله

في التغريدة المثيرة للجدل، كتب النائب وليد البعريني:

> "نعم للتطبيع إذا كان يحمي الجميع من الاعتداءات، نعم للتطبيع إذا كان يسترجع أرضنا ويضمن عدم احتلالها، نعم للتطبيع إذا كان يمنح لبنان سلامًا وازدهارًا فقدناه منذ سنوات."

الطرح جاء مشروطًا ومرتبطًا بالمصلحة اللبنانية، وليس موقفًا أيديولوجيًا من إسرائيل.

لكن ردود الفعل لم تتعامل مع مضمون الطرح، بل مع عنوانه، وهو ما يعكس حساسية عالية تجاه مفردة "التطبيع"، مهما كان السياق.

 

الشارع اللبناني: بين العاطفة والعقل؟

 

الغضب الذي واجه تصريح البعريني كشف عن مشكلة أعمق من مجرد اختلاف سياسي.

ففي بلد يعيش على وقع الشعارات منذ عقود، بات أي خروج عن السردية السائدة يُقابل بالتخوين والتشكيك، حتى لو كان مبنيًا على منطق واقعي أو فقه سياسي شرعي.

 

الجدير بالسؤال هنا: هل نريد نقاشًا عقلانيًا حول الخيارات المتاحة، أم أننا نتمسك بالرمزية على حساب المصالح؟

وهل الحديث عن بدائل دبلوماسية يعتبر جريمة، أم مسؤولية سياسية تستحق النقاش؟

 

الحديث عن صلح أو تفاوض لا يعني القبول بالظلم، ولا التنكر لدماء الشهداء.

لكن التمترس خلف الشعارات دون مراجعة الواقع، قد يكون أقسى خيانة للوطن من أي طاولة مفاوضات.

 

ما قاله البعريني يستحق النقد، لكنه أيضًا يستحق أن يُناقش، لا أن يُقمع.

فإذا كان النبي ﷺ قد صالح أعداءه دون أن يتخلى عن ثوابته، فهل نحن أعجز من أن نفكر في خيارات تنقذ لبنان دون أن نفرّط بكرامتنا؟

أم أن الصمت والشتائم باتا الطريق الوحيد لتفادي الأسئلة الصعبة؟