حين سقطت الأذرع... تحركت الدول: السعودية تقلب معادلة الردع

بقلم اللواء اشرف ريفي نائب في البرلمان للبناني

حين سقطت الأذرع... تحركت الدول: السعودية تقلب معادلة الردع

لم يعد ممكناً قراءة التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط باعتبارها مجرد سلسلة من المعارك المنفصلة. فما يجري يتجاوز نتائج الجبهات العسكرية إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل النموذج الذي أدار الصراع الإقليمي طوال سنوات: هل بدأ عصر النفوذ عبر الوكلاء بالانحسار، وهل تستعد الدول نفسها لاستعادة موقعها في معادلة القوة؟

هذه هي النقطة التي تلتقي عندها أزمتان تبدوان منفصلتين في الظاهر: تراجع فاعلية الأذرع من جهة، وصعود التحالفات الإقليمية المباشرة من جهة أخرى.

هذه هي النقطة التي تلتقي عندها أزمتان تبدوان منفصلتين في الظاهر: تراجع فاعلية الأذرع من جهة، وصعود التحالفات الإقليمية المباشرة من جهة أخرى.

فحين يفقد الوكيل قدرته على الردع، لا يختفي الفراغ الذي يتركه بالضرورة؛ بل تبحث الدول التي شعرت بالتهديد عن طريقة جديدة لملئه. وهنا تحديداً تكمن أهمية التحرك السعودي.

لقد اعتمدت المنطقة طويلاً على معادلة تقوم على النفوذ غير المباشر: دولة تدعم حليفاً، وحليف يفتح جبهة، وجبهة تضغط على خصم، بينما يبقى المركز بعيداً عن المواجهة المباشرة. كانت هذه المعادلة تمنح أصحابها مساحة واسعة للمناورة، لكنها كانت تحمل في داخلها نقطة ضعف أساسية: الوكيل يستطيع أن يفتح الصراع، لكنه لا يستطيع دائماً التحكم في نهايته.

ومع ارتفاع مستوى التكنولوجيا الاستخباراتية والعسكرية، واتساع العقوبات والرقابة المالية، وتزايد حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أمن الطاقة والممرات البحرية، أصبحت كلفة هذا النموذج أعلى. والأهم أن الدول التي وجدت نفسها في مواجهة هذه الشبكات بدأت تدرك أن الاعتماد على الردود المنفردة لم يعد كافياً.

من هنا يمكن فهم التحول السعودي.

فالرياض لا تحاول فقط مواجهة تهديد إيراني؛ إنها تحاول، في جوهر الأمر، تغيير البيئة التي سمحت لهذا التهديد بالعمل.

وهذا فرق جوهري.

مواجهة الذراع تعني التعامل مع نتيجة.

أما بناء منظومة ردع إقليمية فيعني التعامل مع البيئة التي تنتج النتيجة.

ومن هذه الزاوية، يصبح التقارب السعودي ـ التركي ـ الباكستاني أكثر من مجرد اتفاق دفاعي. فالاتفاق الذي وُقّع بين الدول الثلاث يفتح الباب أمام صيغة جديدة من التعاون الأمني، تجمع بين الوزن الاقتصادي والاستراتيجي للسعودية، والقدرة العسكرية والتكنولوجية التركية، والثقل العسكري والنووي الباكستاني.

لكن قيمة الاتفاق لن تُقاس بحجمه السياسي، بل بقدرته على التحول إلى ردع فعلي.

فالتحالفات لا تصبح قوة لمجرد توقيعها. القوة تبدأ عندما يعرف الخصم أن أي اعتداء لن يواجه برد منفرد، وأن التصعيد في اتجاه واحد قد يفتح أمامه جبهات سياسية وعسكرية واستراتيجية متعددة.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى في المشهد.

إذا كان نموذج الوكلاء قد سمح لإيران بتوسيع نفوذها من دون مواجهة مباشرة مع خصومها، فإن تراجع فاعلية هذا النموذج قد يدفع خصومها إلى الاتجاه المعاكس تماماً: بناء تحالفات مباشرة بين الدول.

وهكذا تتحول المعادلة من:

وكيل يواجه وكيلاً،

إلى:

دولة تواجه منظومة دول.

وهذا ليس تفصيلاً عسكرياً، بل تحول في فلسفة الأمن الإقليمي.

فالسعودية، في هذه الحالة، لا تسعى فقط إلى امتلاك قدرة أكبر على الرد، وإنما إلى جعل الرد نفسه جماعياً، بحيث يصبح الاعتداء على دولة جزءاً من منظومة أوسع من الحسابات.

وهنا أيضاً تتغير وظيفة القوة.

في عصر الوكلاء، كانت القوة تقاس بعدد الجبهات التي تستطيع فتحها.

أما في عصر الردع الجماعي، فتقاس القوة بعدد الجبهات التي تستطيع منع فتحها.

وهذه ربما تكون إحدى أهم التحولات التي يجري تجاهلها وسط ضجيج الحرب.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لنموذج النفوذ غير المباشر ليس بالضرورة سقوط تنظيم بعينه، بل أن تتعلم الدول نفسها كيف تبني أمنها بعيداً عن هذا النموذج.

فإذا نجحت الرياض في تحويل شراكاتها إلى منظومة دفاع وتنسيق واستخبارات وردع، فإن المسألة لن تكون مجرد مواجهة مع طهران، بل بداية إعادة تعريف لمفهوم الأمن في المنطقة.

وعندها يصبح السؤال مختلفاً تماماً:

ليس هل انتهى زمن الأذرع؟

هل بدأت الدول تبني نظاماً أمنياً يجعل الحاجة إلى الأذرع أقل، ويجعل استخدامها أكثر كلفة؟

إذا كان هذا التحول قد بدأ فعلاً، فإن ما نشهده اليوم قد يكون أكبر من نتيجة حرب.

قد يكون بداية نهاية مرحلة كان النفوذ فيها يُقاس بمدى القدرة على تحريك الآخرين، وبداية مرحلة جديدة يُقاس فيها النفوذ بقدرة الدولة على بناء تحالفاتها، وحماية مصالحها، وإنتاج الردع، وتحويل القوة إلى استقرار.

ومن هنا يمكن فهم الدور السعودي بصورة مختلفة.

فالمعركة الحقيقية ليست فقط بين الرياض وطهران، ولا بين واشنطن وطهران.

المعركة الأعمق هي بين نموذجين للأمن الإقليمي:

نموذج يعتمد على النفوذ غير المباشر، والجبهات المتعددة، والأذرع العابرة للحدود؛ ونموذج آخر يحاول إعادة الدولة إلى مركز القرار، وبناء الردع من خلال تحالفات رسمية بين الدول.

وفي هذه المواجهة، قد تكون النتيجة الأهم ليست من يربح الجولة العسكرية الحالية، وإنما أي نموذج سيبقى قادراً على العمل بعد انتهاء الحرب.

فالتاريخ لا يمنح الاستمرارية لمن يملك القوة فقط، بل لمن يستطيع تحويل القوة إلى نظام.

وإذا نجحت السعودية في تحويل التحالفات إلى ردع، والردع إلى استقرار، والاستقرار إلى منظومة أمن إقليمية، فإنها لن تكون قد غيّرت فقط طريقة مواجهة طهران.

ستكون قد ساهمت في الانتقال من عصر الأذرع إلى عصر الدول.

وهنا تحديداً قد يكون سقوط فاعلية «الوكيل» وبروز «الردع الإقليمي» وجهين لحدث استراتيجي واحد:

الشرق الأوسط يعيد اكتشاف الدولة.