أين تركيا وباكستان؟ عندما يدخل تحالف مكة الاختبار
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
لم تعد القصة مجرد مسيّرة أُعلن اعتراضها قرب مكة، ولا مجرد إنذارات أمنية رفعتها السعودية ثم أوقفتها. القصة الأكبر بدأت عندما اصطدمت هذه التطورات باتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، ذلك الاتفاق الذي يقوم، وفق ما أوردته المادة، على مبدأ واضح: الهجوم المسلح على دولة من الدول الثلاث هو هجوم عليها جميعاً.
وهنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاهله: إذا كانت السعودية تواجه تهديدات متكررة، فما الذي يعنيه هذا التحالف على أرض الواقع؟
المادة تتحدث عن اعتراض مسيّرة نُسبت إلى الحوثيين قرب مكة ومحاولة دخولها المجال الجوي للمواقع المقدسة، بينما تنفي جماعة الحوثي استهداف مكة وتقول إن أهدافها كانت منشآت نفطية وقواعد عسكرية بعيدة عنها. وبين الروايتين، لا تزال حقيقة الهدف المباشر بحاجة إلى إثبات مستقل. لكن سياسياً، مجرد وصول القضية إلى محيط مكة يرفع مستوى الاختبار.
فمكة ليست تفصيلاً في معادلة الصراع، وأي تهديد يثبت رسمياً ارتباطه بالمواقع المقدسة ستكون له تداعيات تتجاوز الحساب العسكري إلى المجال الديني والسياسي والأمني.
لهذا لم يعد السؤال: هل تستطيع السعودية حماية أجوائها؟ بل أصبح: ماذا ستفعل تركيا وباكستان إذا تعرضت السعودية لاعتداء يدخل فعلاً ضمن نطاق اتفاق الدفاع المشترك؟
لا يعني ذلك أن الاتفاق يفرض تلقائياً حرباً أو تدخلاً عسكرياً مباشراً؛ فآليات التنفيذ وحدود الالتزام تحتاج إلى قراءة الاتفاق ومواقف الدول الثلاث. لكن قيمة أي تحالف دفاعي لا تُقاس بقوة العبارات التي رافقت توقيعه، وإنما بوضوح ما يستطيع فعله عندما يبدأ الاختبار.
ومن هنا تكتسب تصريحات عضو الكونغرس الأميركي جو ويلسون دلالة سياسية، بعدما دعا تركيا وباكستان إلى العمل مع السعودية ضد الحوثيين وربط ذلك بمصداقية التحالف. لكن تصريحه لا يمثل قراراً تركياً أو باكستانياً، ولا يثبت أن الدولتين قررتا التحرك عسكرياً.
ويبقى السؤال الأثقل معلقاً في سماء المنطقة:
هل "تحالف مكة" مجرد اتفاق جديد على الورق، أم أن وراءه منظومة ردع حقيقية يعرف الخصم حدودها قبل أن يختبرها؟
فالتحالفات لا تُختبر في قاعات التوقيع، بل في اللحظة التي يصبح فيها الالتزام مكلفاً.
والآن، مع تصاعد التهديدات حول السعودية، تتجه الأنظار إلى أنقرة وإسلام آباد: ماذا تعني فعلاً عبارة "الهجوم على أحدنا هو هجوم علينا جميعاً" عندما يحين وقت الاختبار؟